☰
✕

قائمة الموقع

عائشة.. جاءت إلى غزة زائرة فاحتجزتها الحرب بين الفقد والمرض والخوف

2026-09-26T09:58:00+03:00
أحمد 12 عامًا أصيب بشظايا في رأسه بعد إطلاق طائرة إسرائيلية مسيّرة النار على مخيم حلاوة في جباليا ما أدى إلى إصابته بشلل نصفي
فلسطين أون لاين

لم تكن عائشة تتخيل أن زيارة قصيرة إلى غزة ستتحول إلى سنوات من النزوح والفقد والمرض. جاءت الحاجة أم محمد، البالغة من العمر 50 عامًا، من الأردن لزيارة أقارب زوجها من عائلة ريحان، بعدما عاشت معظم حياتها هناك وتزوجت وأنشأت بيتها.

لكن حرب الإبادة اندلعت قبل أن تتمكن من العودة، فتحولت الزيارة إلى إقامة قسرية، لتجد نفسها في مواجهة كل ما يمكن أن يثقل حياة إنسان: الخوف، والنزوح، والفقر، وفقد الزوج، ثم الابن تلو الآخر.

كانت البداية من جباليا شمال قطاع غزة، حيث كانت تقيم مع زوجها وأبنائها. وبعد قصف منزلهم، أجبرت العائلة على النزوح جنوبًا باتجاه خان يونس، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، واستقرت في خيمة وسط ظروف قاسية.

تقول عائشة لصحيفة "فلسطين: "جئت إلى غزة وأنا أفكر أنني سأزور أهل زوجي وأعود إلى الأردن، ولم أكن أعرف أن الحرب ستغلق كل الطرق أمامي، وأنني سأبقى هنا لأعيش كل هذا الوجع".

فاجعة

في خانيونس، لم تكن العائلة تعرف أين يمكن أن تجد الأمان، وكانت عائشة وزوجها يحاولان الوصول إلى أبنائهما والاطمئنان عليهم، قبل أن تتحول لحظة البحث إلى فاجعة، ففي 3 ديسمبر/ كانون الأول 2024، أطلق الاحتلال النار على زوجها طه، فأصيب في رأسه وارتقى شهيدًا على الفور.

"كنت أبحث معه عن أولادنا، ولم أكن أتخيل أنني سأعود من دونه، في لحظة واحدة فقدت زوجي، وصار كل شيء فوق رأسي، وأنا لا أعرف كيف سأكمل الطريق وحدي".

وبعد إعلان وقف إطلاق النار، عادت عائشة إلى مخيم حلاوة في جباليا، محاولة استعادة ما تبقى من حياتها بين الركام، لكن الحرب لم تترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها.

ففي 18 يونيو/ حزيران 2025، اقتحمت طائرة إسرائيلية مسيّرة من طراز "كواد كابتر" مخيم حلاوة، وأطلقت النار بصورة عشوائية، فأصيب ابنها أحمد، البالغ من العمر 12 عامًا، بشظايا في الرأس. تسببت الإصابة بشلل نصفي طولي، في حين استقرت الشظية في موضع بالغ الحساسية والخطورة، ما جعل الأطباء يستبعدون إجراء عملية لإزالتها بسبب ضعف فرص نجاحها وخطورتها.

وتشير عائشة إلى أنه منذ ذلك اليوم، تعيش في خوف دائم من أن تتحرك الشظية وتزيد حالة طفلها سوءًا.

وتضيف: "كلما رأيت أحمد أضع يدي على قلبي، وأخاف أن تتحرك الشظية، وأخاف من أي تغيير في حالته، ولا أملك شيئًا أفعله سوى أن أبقى إلى جانبه وأدعو له."

وبعد ما عاشته الأسرة، نزحت عائشة مع أبنائها إلى محيط مستشفى الشفاء، حيث أمضوا نحو أربعة أشهر، هناك لم يكن الألم وحده ما يهددهم؛ فالفقر والجوع كانا حاضرين في تفاصيل يومهم، مع غياب مصدر دخل ثابت.

فكان الطعام هاجسًا يوميًا، إلى أن اقترح ابنها محمد أن يذهب إلى منطقة الميناء، حيث توجد تكية توزع الأرز على المحتاجين، خرج محمد بحثًا عن وجبة تسد جوع أسرته، لكنه لم يعد.

مرّت أربعة أيام قبل أن تعرف والدته أنه استشهد في 21 سبتمبر/أيلول 2025، بعد استهدافه بصاروخ أدى إلى احتراق جسده، ولم يبقَ من ملامحه إلا ما استطاعت والدته التعرف إليه.

"محمد كان ابني البكر، انتظرته 18 سنة من الزواج. جاء بعد انتظار طويل، وربّيته بدموع عيني، وكنت أراه سندي عندما كبر، خصوصًا بعد استشهاد والده، خرج ليجلب لنا الطعام، فعاد إليّ شهيدًا".

لم يكن فقد محمد مجرد فقد ابن؛ كان انهيارًا لسند كانت عائشة تتكئ عليه بعد رحيل زوجها، وتتابع حديثها: "قلبي لم يعد يحتمل مزيدًا من الخسارات، وجسدي بدأ يدفع ثمن سنوات الحرب والفقد".

بعد استشهاد زوجها، أُصيبت بسرطان الدم، ثم أصيبت بالسكري عقب استشهاد محمد، في حين تدهورت قدرتها على الإبصار، وأصبحت تعاني مشكلات في النظر، ما اضطرها إلى الحاجة إلى عمل نظارة طبية.

"لم يعد جسمي يحتمل. بعد زوجي جاء المرض، وبعد محمد جاء السكري وضعف النظر. أشعر أنني أخسر جزءًا مني مع كل مصيبة".

اليوم، تحتاج عائشة وابنها أحمد إلى تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، لكن غياب الهوية الرسمية والاكتفاء ببطاقة تعريفية يحول دون استكمال إجراءات السفر. ولا تقف معاناتها عند العلاج، إذ تحرمها الوثائق التي تحملها من الحصول على مساعدات مالية أو كفالات، وحتى بعض المساعدات الغذائية.

لكن هذا ليس العائق الوحيد، إذ تقيد (إسرائيل) سفر المرضى والجرحى من غزة. ويواجه الآلاف منهم خطر الموت مع تدمير الاحتلال معظم المستشفيات واستهداف الطواقم الطبية بالقتل والاعتقال.

تتابع عائشة: "لا أطلب شيئًا لنفسي، أريد فقط أن يُعالج أحمد وأن أحصل أنا على العلاج. لكن حتى هذا الطريق مغلق أمامنا لأنني لا أملك الهوية المطلوبة".

وفي مخيم إربيكان، القريب من الخط الاحتلالي الأصفر، تعيش عائشة اليوم حياة معلقة بين الخوف والمرض والانتظار. تنام على أصوات الرصاص وتستيقظ عليها، في حين تحتفظ في قلبها بصور زوجها وابنها محمد، وتراقب ابنها أحمد وهو يحاول التعايش مع إصابة سترافقه طويلًا.

وتختم حديثها: "كنت أظن أن أصعب شيء هو أن أبقى بعيدة عن بلدي وأهلي، لكنني عرفت أن الأصعب أن تفقد زوجك وابنك، وأن ترى ابنك الثاني مريضًا أمامك ولا تستطيع أن تفعل له شيئًا. أنا اليوم لا أريد إلا الأمان والعلاج، وأن يبقى أحمد حيًا أمام عيني".

اخبار ذات صلة