فلسطين أون لاين

شح السيولة يواصل خنق أسواق غزة ويعمّق تراجع القوة الشرائية

...
شح السيولة يواصل خنق أسواق غزة ويعمّق تراجع القوة الشرائية
غزة/ رامي رمانة:

تواصل القوة الشرائية للمواطنين في قطاع غزة تراجعها، مع شح السيولة النقدية وتراجع مصادر الدخل وتفاقم الضغوط المعيشية التي خلفتها الحرب، في حين لا تزال أسواق القطاع تواجه قيودًا إسرائيلية على دخول البضائع، فضلا عن المساعدات الإنسانية.

ولا تقتصر المشكلة على مدى توفر الغذاء والملابس ولوازم الأطفال والمنتجات الأساسية، وإنما تطال قدرة الأسر على دفع ثمنها.

ويعتمد جزء كبير من حركة السوق المحلية على ما يتوافر من سيولة من رواتب الموظفين، والمساعدات النقدية، والتحويلات من الأقارب، إلى جانب ما تبقى من مداخيل القطاع الخاص. إلا أن انتظام هذه التدفقات لا يزال محدوداً، في وقت فقدت فيه أعداد كبيرة من الأسر مصادر دخلها أو تراجعت مداخيلها بصورة حادة.

يقول سامي عاشور (53 عاما)، أحد المستفيدين من مخصصات الشؤون الاجتماعية، إنه لم يحصل على مخصصاته منذ أكثر من أربعة أعوام، الأمر الذي جعله يعيش وأسرته على حد الكفاف، معتمداً بصورة أساسية على ما يصله من مساعدات متقطعة.

ويضيف عاشور لصحيفة "فلسطين": "نحن لا نبحث عن الكماليات، وإنما عن الطعام والاحتياجات الأساسية. عندما تتوفر مساعدة نحاول شراء الضروريات فقط، وعندما تنتهي نعود إلى الانتظار من جديد".

ويشير إلى أنه حصل في إحدى المرات على كود لمساعدة مالية، إلا أن قيمتها لم تكن كافية إلا لتغطية احتياجات أسرته الأساسية لفترة قصيرة، لا تتجاوز نحو عشرة أيام وفقاً لحجم الأسرة والأسعار السائدة.

ويقول إن المشكلة بالنسبة له ليست فقط في ارتفاع الأسعار أو توفر السلع، وإنما في عدم وجود دخل ثابت يستطيع من خلاله التخطيط لمتطلبات أسرته، مضيفاً أن كثيراً من الأسر أصبحت تشتري بحساب اليوم، وتؤجل كل ما يمكن تأجيله من احتياجاتها.

حلقة اقتصادية مفرغة

لكن النقص في السيولة لا ينعكس على المستهلك وحده، بل يمتد إلى التجار والموردين أيضاً.

ويبين أيمن أبو عوف، تاجر تجزئة ملابس، أن التاجر يحتاج إلى رأس مال لشراء شحنات جديدة وإدخالها إلى السوق، في حين أن ضعف القدرة الشرائية يجعل تصريف البضائع أبطأ وأكثر مخاطرة.

ويضيف أبو عوف لصحيفة "فلسطين": تزداد المشكلة في السلع سريعة التلف، مثل الخضراوات والفواكه، التي ترتبط بفترة صلاحية قصيرة، ما يجعل التاجر أمام خطر خسارة جزء من رأس ماله إذا لم يتمكن من بيعها بسرعة.

وينبه الى أن استمرار ضعف السيولة يمكن أن يؤدي إلى حلقة اقتصادية مفرغة ضعف دخل الأسر يؤدي إلى انخفاض الطلب، وانخفاض الطلب يحد من مبيعات التجار، وتراجع المبيعات يقلل قدرة التجار على إعادة ضخ الأموال في السوق وشراء كميات جديدة من السلع، وهو ما يضعف النشاط التجاري بصورة أكبر.

ويشير إلى أن وجود أموال محجوزة أو أرصدة لا يستطيع أصحابها الوصول إليها، إلى جانب تعطل أو ضعف بعض القنوات المالية، يزيد من حدة أزمة السيولة ويحد من حركة الأموال داخل الاقتصاد المحلي.

ويرى اقتصاديون أن التعافي الحقيقي للسوق لا يرتبط فقط بإدخال السلع، وإنما يحتاج بالتوازي إلى إعادة ضخ السيولة في أيدي الأسر والعمال والتجار.

دورة مالية

بدوره، يبين المختص الاقتصادي د. ماهر الطباع أن وجود المنتجات على أرفف المحال لا يعني بالضرورة وجود سوق قادر على استهلاكها.

ويقول الطباع لصحيفة "فلسطين": من بين الإجراءات التي يمكن أن تساعد في تنشيط الدورة الاقتصادية، انتظام صرف رواتب الموظفين، وضمان وصول المساعدات الاجتماعية والنقدية إلى الأسر المستحقة، ودعم العاملين في القطاع الخاص، وتوفير آليات تسمح بإعادة تنشيط المشاريع والأعمال الصغيرة، إضافة إلى معالجة القيود التي تحول دون وصول المواطنين إلى أموالهم.

ويوضح أن الاقتصاد المحلي يحتاج إلى سيولة حقيقية تتحرك بين المستهلك والتاجر والمورد، لأن إدخال السلع وحده لا يكفي لإعادة تنشيط السوق فالمستهلك يحتاج إلى دخل لشراء السلعة، والتاجر يحتاج إلى مبيعات لتمويل مشترياته الجديدة، والمورد يحتاج إلى دورة مالية واضحة تضمن استمرار تدفق المنتجات.

ويحذر المختص من أن استمرار أزمة السيولة قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش في النشاط التجاري، حتى في حال تحسن توفر السلع، لأن الأسواق لا تعمل بمجرد وجود المنتجات، وإنما من خلال قدرة الناس على شرائها وقدرة التجار على إعادة تدوير رأس المال.

ويؤكد أن التدخل العاجل ينبغي أن يركز على ضخ مساعدات نقدية منتظمة للأسر الأكثر احتياجاً، وضمان انتظام الرواتب متى أمكن، ودعم العاملين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والعمل على إزالة العوائق أمام وصول المواطنين إلى أموالهم، باعتبار أن إعادة تحريك السيولة تمثل أحد المفاتيح الأساسية لإنعاش الاقتصاد المحلي في قطاع غزة.

وأدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى إلحاق أضرار واسعة بالقاعدة الاقتصادية، مع تدمير أو تعطيل أعداد كبيرة من المنشآت التجارية والصناعية والزراعية والخدمية، وتوقف قطاعات إنتاجية عن العمل، ما أفقد أعداداً كبيرة من العمال مصادر دخلهم وأضعف قدرة الاقتصاد المحلي على توليد فرص العمل والدخل.

ولم تقتصر تداعيات الحرب على تراجع الإنتاج والدخل، إذ فرضت القيود على حركة البضائع والمواد الخام والمساعدات ضغوطاً إضافية على الأسواق، بينما أدى ارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر. وبذلك أصبحت إعادة تنشيط الاقتصاد مرتبطة ليس فقط بتوفر السلع، وإنما أيضاً بإعادة تشغيل مصادر الدخل وتحريك السيولة داخل السوق.

المصدر / فلسطين أون لاين