قائمة الموقع

بمركبة إطفاء وحيدة صنعت محليًّا.. الدفاع المدني يطارد نيران الحرب

2026-08-18T11:52:00+03:00
الدفاع المدني يطارد نيران الحرب بمركبة إطفاء وحيدة.
فلسطين أون لاين

في زمن الحرب، لم تعد مركبات الدفاع المدني تتحرك كما كانت بعدما طال القصف الإسرائيلي عددا كبيرا منها ودمرها بالكامل. وبينما أصبحت غالبية المركبات التي كانت فرق الإنقاذ تستخدمها، خارج الخدمة، بقيت مركبة إطفاء واحدة قادرة على أداء مهمتها في شوارع مدينة غزة؛ تلبية لنداءات الاستغاثة التي تتوالى مع كل استهداف إسرائيلي يخلف حرائق وضحايا.

ولا تعدّ هذه المركبة حديثة، وهي لا تحتوي على تقنيات متطورة كالتي تتمتع بها مركبات الإطفاء المتخصصة المنتشرة في دول العالم، بل صُنعت محليًا داخل قطاع غزة قبل اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعدما أدركت طواقم الدفاع المدني أن نقص الإمكانات يتطلب حلولًا من داخل الجهاز نفسه.

اليوم، وبعد نحو 3 سنوات من الحرب، أصبحت تلك الفكرة التي صُممت لتكون حلًا لمشكلة نقص المركبات، واحدة من أهم وسائل الدفاع المدني المتبقية في مدينة غزة.

محاولة إيجاد بدائل

يقول الرائد محمود بصل، المتحدث باسم المديرية العامة للدفاع المدني: إن "قرار تصنيع المركبة اتُخذ قبل الحرب، ضمن عمل اللجنة الفنية في الجهاز، بهدف توفير مركبة قادرة على أداء مهام الإطفاء، حتى وإن لم تكن بالمواصفات والتقنيات الحديثة".

ويضيف بصل لصحيفة "فلسطين"، رغم عدم قدرتنا على توفير تقنيات حديثة، إلا أن قرارنا في الدفاع المدني كان لا بد من العمل على تصنيع مركبة شبيهة بمركبة إطفاء تؤدي الغرض".

بحسب بصل، جرى تصميم المركبة وإعدادها وصناعتها محليًا، وكان مدير إدارة السلامة والوقاية في مديرية الدفاع المدني العميد محمد شرير، مسؤولًا عن متابعة صناعتها دون أن يعلم أحد أن هذه المركبة ستصبح يومًا ما من أهم ممتلكات الجهاز.

ومع اندلاع الحرب، أثبتت المركبة قدرتها على العمل في ظروف قاسية، في حين تعرضت غالبية مركبات الدفاع المدني الأخرى للضرر أو التدمير.

وأوضح بصل أن المركبة الموجودة حاليًا في مدينة غزة ربما تكون الوحيدة القادرة على العمل كمركبة إطفاء، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من المركبات الأخرى أصبح خارج الخدمة، في حين تعاني مركبات أخرى حالة تهالك كبيرة.

وهكذا وجدت مركبة واحدة نفسها في مواجهة احتياجات مدينة كاملة، كلما اندلع حريق، أو وصل نداء استغاثة، أو احتاج مدنيون إلى تدخل طواقم الدفاع المدني، تصبح هذه المركبة جزءًا من محاولة الوصول إليهم.

مليون مهمة

ولم تكن حرب الإبادة بالنسبة لطواقم الدفاع المدني مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة، بل واقعًا استثنائيًا فرض عليها العمل بصورة متواصلة، رغم فقدان جزء كبير من قدراتها.

ويشير بصل إلى أن طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة نفذت أكثر من مليون مهمة خلال الحرب، شملت عمليات الإطفاء والإنقاذ والاستجابة لنداءات ضحايا المجازر الإسرائيلية.

وكانت محافظتي غزة وشمالي القطاع، من أكثر المناطق التي شهدت كثافة في عمليات القصف والاستهداف، ورافق ذلك ارتفاع في عدد نداءات الاستغاثة والمهام الملقاة على عاتق طواقم الدفاع المدني، وفق بصل.

وسط هذا الواقع، كانت المركبة المصنّعة محليًا تؤدي دورها في إخماد الحرائق والتدخل لإنقاذ المدنيين.

ويصف بصل ما قامت به طواقم الجهاز قبل الحرب بأنه "شيء نموذجي"، لأن ثمرة ذلك العمل ظهرت خلال الحرب، عندما أثبتت المركبة قدرتها على الاستمرار وأدت دورها في إخماد الحرائق والتدخل لإنقاذ الأرواح.

مخاطر متعددة

قد يبدو بقاء المركبة في حالة جيدة نسبيًا أمرًا مطمئنًا، لكنها تواجه خطرًا آخر لا يقل أهمية عن الأضرار الناتجة عن القصف؛ وهو الصيانة.

ويؤكد بصل أن المركبة تخضع للصيانة الدورية، وأي خلل فيها تتم معالجته مباشرة، لكن المشكلة تكمن في نقص مستلزمات الصيانة الأساسية، وعلى رأسها الزيوت وقطع الغيار.

وتابع: "هناك أشياء بحاجة إلى أن تكون موجودة، مثل الزيوت وقطع الغيار، وهذه غير متوفرة الآن في السوق بشكل عام، سواء للمركبات الحديثة أو القديمة".

وهنا تكمن المفارقة، فالمركبة التي استطاعت الصمود أمام ظروف الحرب قد تتوقف بسبب مستلزم بسيط للصيانة.

ويشرح بصل أن نفاد الزيت من المركبة، في ظل عدم توفره في القطاع، يعني أن استمرارها في العمل مهدد في أي لحظة. ولا يتوقف الأمر عند الزيت؛ فغياب قطع الغيار يعني أن أي عطل قد يتحول إلى توقف طويل، في وقت لا تتوافر يه مركبة بديلة.

ليست غزة وحدها

وبالرغم من أن المركبة تمثل حالة استثنائية في مدينة غزة، فإن عمل الدفاع المدني لم يتوقف في بقية مناطق القطاع.

يوضح بصل أن طواقم الدفاع المدني في مختلف محافظات القطاع تواصل تنفيذ مهمات الإنقاذ، وأن وضع المركبات في مناطق وسط وجنوب القطاع أفضل نسبيًا من محافظتي غزة والشمال، لكن الاستعانة بتلك المركبات في مدينة غزة ليس أمرًا يمكن تنفيذه دائمًا.

ويشرح بصل أن نقل مركبات الدفاع المدني من محافظة إلى أخرى يعني ترك المنطقة التي خرجت منها المركبات دون قدرة كافية على الاستجابة لأي طارئ.

وأكمل حديثه: إن "إمكانية إرسال مركبات من الجنوب إلى غزة قد تكون متاحة في حالات الاستنفار والطوارئ القصوى، لكن ذلك يحمل مخاطرة كبيرة، لأن إخلاء أي محافظة من مركباتها يعني ترك سكانها في مواجهة أي حادث طارئ دون وسائل إنقاذ كافية".

لا يجوز لها التوقف

في الظروف الطبيعية، يرافق تعطل مركبة إطفاء نتيجة عطل فني استدعاء مركبة أخرى، أما في غزة، فقد أصبح تعطل المركبة التي صنعت محليًا وهي الوحيدة القادرة على العمل في مدينة غزة، احتمالًا أكثر خطورة، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية لا تخص الدفاع المدني وحده.

ويقف خلف هذه المركبة رجال الدفاع المدني الذين يواصلون عملهم على الرغم من فقدان كثير من زملائهم ومركباتهم وإمكاناتهم؛ يخرجون عندما يأتي البلاغ، ولا يستطيعون انتظار الظروف المثالية، لأن الحريق لا ينتظر، والاستغاثة لا يمكن تأجيلها حتى تتوفر قطع الغيار.

ويؤكد المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، أن الحاجة إلى هذه المركبة لا ترتبط بكونها سيارة إطفاء فحسب، بل بكونها جزءًا من القدرة المتبقية على إنقاذ الأرواح.

لكنْ خلف استمرارها في العمل سؤال لا يستطيع أحد تجاهله: ماذا سيحدث إذا توقفت؟

اخبار ذات صلة