فلسطين أون لاين

أم يسر.. ناجية من مجزرة فقدت فيها زوجها وأطفالها الخمسة وتنتظر علاجاً يعيد إليها يدها

...
أم يسر سالم أبو رجيله فقدت زوجها وأطفالها الخمسة
خانيونس/ تامر قشطة:

قبل عامين، كانت أم يسر سالم أبو رجيله تجلس داخل خيمتها في منطقة التل بمدينة دير البلح، بينما كان زوجها وأطفالها الخمسة يغطون في النوم، ولم تكن تعلم أن دقائق قليلة تفصلها عن واحدة من أقسى اللحظات في حياتها.

في 6 أغسطس/آب 2024، استهدفت غارة إسرائيلية الخيمة التي كانت تؤوي الأسرة، لتفقد أم يسر زوجها محمود إبراهيم أبو رجيله، البالغ من العمر 42 عاماً، وأطفالها الخمسة: نور (15 عاماً)، وبراء (14 عاماً)، وإبراهيم (12 عاماً)، ومحمد (8 أعوام)، وأنس (4 أعوام)، فيما نجت هي بأعجوبة، لكنها خرجت من تحت الأنقاض بإصابات بالغة غيّرت حياتها.

تقول أم يسر، البالغة من العمر 39 عاماً والمنحدرة من بلدة خزاعة شرقي خان يونس: "كنت قاعدة على الهاتف، فجأة طائرة متفجرة نازلة علينا. فقدت الوعي على طول، أنا وأولادي كلهم".

استفاقت لاحقاً في أحد المستشفيات، لتجد نفسها في العناية المركزة، حيث أمضت ثلاثة أيام بين الحياة والموت، بينما كانت أسرتها قد رحلت بالكامل.

تضيف لصحيفة "فلسطين": "قعدت ثلاث أيام تحت رحمة رب العباد، والحمد لله".

لكن النجاة لم تكن نهاية معاناتها، بل بداية رحلة طويلة مع الإصابة والفقد والوحدة.

WhatsApp Image 2026-08-17 at 4.39.52 PM1.jpeg
 

تعاني أم يسر من قطع في أوتار اليد اليمنى، إضافة إلى إصابات في الرأس والرقبة والظهر، ومشكلات في القدم اليسرى. وتقول إن الأطباء أوصوا منذ إصابتها بتحويلة طبية عاجلة إلى خارج قطاع غزة، لإجراء عمليات متخصصة وإنقاذ قدرتها على استخدام يدها وقدميها.

وتوضح: "أول ما شافوا حالتي قالوا: هاي بدها تحويلة عاجلة لبرا، لأنه عندها قطع بالأوتار، وكان في ضربة براسي ورقبتي وجسدي من وراء عند العمود الفقري".

وتضيف أن الأطباء كانوا قد تحدثوا في البداية عن احتمال بتر ساقها اليسرى، إلا أن حالتها تحسنت، وبقيت بحاجة إلى تدخلات جراحية عاجلة في اليد والقدم، خصوصاً بعد إزالة المثبتات المعدنية.

وتقول: "الآن محتاجة عملية بعد فك اللاتين، ومحتاجة في أطراف الأصابع بالقدم اليسرى عملية عاجلة بالإيد وبالرجل".

عامان تقريباً مرا على إصابتها، بينما لا تزال تنتظر السفر لتلقي العلاج الذي قد يساعدها على استعادة جزء من حياتها السابقة.

بالنسبة لأم يسر، العلاج ليس مجرد إجراء طبي، بل وسيلة لاستعادة استقلالها والعودة إلى العمل وإعالة نفسها بعد أن فقدت الزوج والأبناء الذين كانوا يشكلون عالمها كله.

تقول: "حابّة صحتي ترجع زي الأول، بدي إيدي اليمين أشتغل عليها... كنت أشتغل في مؤسسات، والحمد لله كنت معتمدة على نفسي وربيت أولادي وتعبت عليهم".

ثم تضيف بصوت يحمل إصراراً واضحاً: "بدي أرجع أعيل نفسي عشان ماليش معيل. بدي أحرّك، أصير أكتب بإيدي وأشتغل بإيدي اليمين، بدي أرجع بصحتي زي الأول، بدي حد يسمعني".

بعد فقد زوجها وأطفالها الخمسة، لم يبقَ لأم يسر سوى إخوتها. تعيش حالياً مع أحد إخوتها المتزوجين، الذي يعيل أسرته وسط ظروف النزوح القاسية، في خيمة واحدة بمواصي خانيونس لا تتسع إلا بالكاد لأفرادها.

وتقول: "بقيت وحيدة"، قبل أن توضح أنها تعيش مع إخوتها، في ظل غياب الزوج والأبناء الذين فقدتهم في الغارة.

ورغم مرور الوقت، لا تزال ذكريات ذلك اليوم حاضرة بكل تفاصيلها، خصوصاً أن الخيمة كانت تضم الأسرة بأكملها قبل أن تتحول في لحظات إلى مكان للفقد والمأساة.

وتقول إن أكثر ما يؤلمها اليوم أنها نجت جسدياً، لكنها خسرت كل من كانت تعتمد عليهم، وأصبحت مطالبة بإعادة بناء حياتها من الصفر، وهي تحمل إصابات تحد من قدرتها على الحركة والعمل.

أما عن سبب عدم سفرها للعلاج، فتؤكد أن المشكلة ليست في عدم تقديمها الطلب، موضحة أنها تقدمت للحصول على التحويلة منذ الأيام الأولى لإصابتها، لكنها تقول إن ملفها تعرض لما تصفه بالتهميش والتلاعب.

في خيمتها، لا تنتظر أم يسر علاجاً يعيد إليها قدرتها الجسدية فحسب، بل فرصة لاستعادة ما تبقى من حياتها. تريد أن تمسك القلم بيدها اليمنى من جديد، أن تعمل، وأن تعتمد على نفسها كما كانت قبل أن تفقد زوجها وأطفالها في لحظة واحدة.

وبينما تحاول التعايش مع ذكرى عائلتها التي رحلت في غارة واحدة، تتمسك بأمل بسيط: أن تصل أخيراً إلى غرفة العمليات، وأن تستعيد يدها التي تحتاجها لتكتب وتعمل، وتبدأ من جديد حياة فرضت عليها الحرب أن تعيشها وحيدة

المصدر / فلسطين أون لاين