فلسطين أون لاين

عائلة كاملة التهمتها النيران.. هكذا خسر "أبو فول" والده وزوجته وأبناءه

...
ضابط الإسعاف المدني أحمد أبو فول
غزة/ فاطمة العويني:

صراخ أهله وأبنائه واستغاثتهم وهم يفقدون حياتهم تحت أنقاض منزلهم الذي دمره جيش الاحتلال الإسرائيلي فوق رؤوسهم، هما المشهد الذي لا يفتأ ضابط الإسعاف المدني أحمد أبو فول يتخيله، لتنساب دموعه مع كل مشهد يتذكره لأطفاله وهم يصارعون الموت في حين كان عاجزًا عن الوصول إليهم.

فقد كان الضابط أبو فول على رأس عمله حينما بلغه خبر استهداف منزل عائلته بالقرب من مستشفى كمال عدوان في منطقة مشروع بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، في حين كان جيش الاحتلال قد توغل برًا في المنطقة ولم يسمح جنود الاحتلال لطواقم الإنقاذ بالوصول إليها.

وقال أبو فول لصحيفة "فلسطين": "النيران التي التهمت منزلي التهمت قلبي معها أيضًا وأنا عاجز عن الوصول لإنقاذ أحبتي".

ويؤكد أنه لم يمر عليه منذ التحاقه بجهاز الدفاع المدني قبل 23 عامًا، أقسى من الموقف الذي واجهته عائلته، وعجز عن الوصول لأبنائه وزوجته، فقدت ثلاثين فردًا من عائلتي، ظلوا عدة أيام تحت الركام دون أن يستطيع أحد الوصول إليهم.

وبالرغم من صعوبة الموقف والقلق الذي ينهش قلب أبو فول وهو يبحث عن خبر يطمئنه عن مصير أسرته، إلا أنه لم يتوقف لحظة عن عمله. حتى في فترة الانتظار القاتلة كان الأمر فوق احتمالي لكن شعوري بأنني أساعد أناسا هم بأمس الحاجة للمساعدة كما كان أهلي في الموقف ذاته، دفعني للاستمرار بعملي.

وبالرغم من صعوبة الأوضاع الأمنية في شمال قطاع غزة، إلا أن أبو فول رفض بشكل قاطع النزوح إلى جنوبه قبل أن يخرج بيده أحباءه من تحت الركام. يضيف: "انتهزت فرصة تراجع قوات الاحتلال الإسرائيلي وبدأت الحفر بيديَّ حتى استطعت إخراج جثامين ثلاثين شهيدًا هم: أبي، وزوجتي الأولى، وأربعة من أبنائي، وأحد أشقائي وزوجته وابنته، وزوجة شقيق ثانٍ واثنين من أطفاله، وزوجة شقيق ثالث وأحد أطفاله، وعدد من أبناء أعمامي".

وتابع: "ليس هناك أصعب في الحياة من أن ينتشل ضابط إسعاف مدني أولاده من تحت الأنقاض ويحفر قبرًا كبيرًا بيديه يودع فيه فلذات أكباده وعددا كبيرا من أهله وأحبائه".

وأكمل: "انتشلتهم ودفنتهم وحدي، دفنت نفسي بيدي، دفنت الأرواح التي كانت تعطي لحياتي معنى، لم يتبق لي سوى الذكريات واللوعة والدموع والحسرة حينما عجزت عن إنقاذ أقرب الناس لي".

ولكن الألم الذي رسخ في قلب أبو فول للأبد لم يشكل له دافعًا لحظة للتراجع عن الواجب الإنساني الذي نذر عمره له، بل قوى لديه الإصرار على العمل لإنقاذ الضحايا مؤمنًا بأهمية واجبه الإنساني في إغاثة الملهوفين في أوقات الكوارث، "لم أتخلف عن تلبية نداء الإنسانية لحظة منذ التحاقي بجهاز الدفاع المدني.

وعند الحديث عن تجارب عايشها ضابط دفاع مدني على مدى سنوات طويلة شهدت اجتياحات وتصعيدات عسكرية إسرائيلية، وتعرض خلالها للموت، فإنه لا شيء يشبه أبدًا تجربته المريرة إبّان حرب الإبادة الجماعية.

ولا يمكن حصر المواقف الصعبة خلال هذه الحرب بالنسبة لأبو فول، فكل ما فيها صعب ويفوق الخيال، فمن تلك المواقف الصعبة مشهد جنين أخرجته شظية من بطن أمه الشهيدة ومشهد آخر لطفل لا يتجاوز عمره سبعة عشرة يومًا سقط أرضًا من الطابق الرابع بعد استهداف الاحتلال منزله.

ويضيف أبو فول بأسى: "عندما اشتد الحصار على شمالي القطاع، لم يعد هناك سوى سيارة إنقاذ واحدة كنت أعمل عليها، كنت أضطر لحمل قرابة عشرين مصابًا دفعة واحدة ولم يكن بإمكاني العودة مرة أخرى لموقع الحادث لأنه سيتم استهدافي.. أن تترك وراءك مضطرًا بعض الإصابات وجثث الضحايا هو أمر أقسى من أن تحتمله أي نفس بشرية".

وبالرغم خطورة الأوضاع وتعرض أبو فول للإصابة والاستهداف المباشر عدة مرات، فإه لم يكف عن المخاطرة بنفسه والعودة لأماكن الاستهداف محاولاً انتشال جثامين الشهداء قبل أن تنهشها الكلاب.

وكانت المجاعة الأولى من أقسى فترات الحرب على الضابط أبو فول، الذي يتطلب عمله جهدًا بدنيًا كبيرًا. ويقول: "أصبحت خائر القوى، خاصة أنني أعاني حساسية من العدس، الذي كان غالبًا الغذاء الوحيد المتاح، وتناوله كان يدخلني في حالة إعياء شديدة".

ويضيف: "أكملنا عملنا بالرغم من التعب الشديد"، مشيرًا إلى أنه كان يرى الناس يتساقطون في الشوارع من شدة الإرهاق في أثناء توجهه بسيارة الإنقاذ إلى أماكن الأحداث، وخلال المجاعة خسر 22 كيلوغرامًا من وزنه.

ويتابع: "لم أكن أجد أحيانًا فرصة لتناول الخبز أو الأرز لأيام، وكان الموت يحاصرنا من كل جانب، بين المجاعة والاجتياح البري والاستهدافات المتواصلة، لكننا واصلنا عملنا بالرغم من كل شيء".

وبعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، انتقل أبو فول إلى جنوب القطاع، ليستقر في مخيم على أرض حكومية، بعدما عجز عن إيجاد مسكن له ولأسرته في الشمال.

ويقول: "كان الناس يعودون شمالًا، في حين كنت أتجه جنوبًا، بعدما عجزت عن استئجار مكان يؤويني وابنتي علا، المصابة والناجية الوحيدة، وزوجتي الثانية التي أنجبت لي ابنًا مؤخرًا".

وعلى الرغم من ظروفه المعيشية الصعبة، واستمراره في العمل طوال الحرب مقابل دفعات مالية متقطعة لا تكاد تكفي احتياجاته الأساسية، يتمسك أبو فول بعمله الإنساني، مؤكدًا عزمه على مواصلة خدمة الناس حتى آخر رمق.

المصدر / فلسطين أون لاين