فلسطين أون لاين

صار عندي الآن مستوطنة!

عند النظر إلى حفل تدشين مستوطنة "جانيم" شرق جنين أول أمس، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه افتتاح مشروع خدمي عادي، لكن الحكاية أبعد بكثير من مجرد يافطة واسم وحضور، فالمكان ليس أرضًا فارغة ظهرت فجأة على الخريطة، والاسم ليس جديدًا، بل يعيد فتح جرح لم يلتئم منذ إخلاء المستوطنات في العام 2005، ضمن ما كان يعرف حينها بـ"خطة فك الارتباط"، ليعود الاستيطان اليوم بغطاء سياسي وأمني غير مسبوق، ولا يقف الأمر عند "جانيم" وحدها، بل يتعداها إلى حراك محموم في شمال الضفة الغربية، حيث دشّن الأسبوع الماضي أيضًا مسؤولون ووزراء وجمعيات استيطانية مستوطنة جديدة، وهي مستوطنة "عيمك دوتان" على أراضي عرابة، باقتطاع مئات الدونمات في سباق مع الزمن، لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية لا يمكن العودة عنها.

إن هذا التسارع الاستيطاني لا يعمل في فراغ، بل يترافق مع تصريحات صريحة ومباشرة من قادة اليمين والمستوطنين الذين يعلنون جهارًا نهارًا أن اتفاقية أوسلو قد انتهت تمامًا، وأن فكرة الدولة الفلسطينية أصبحت في خبر كان، وهم يسرّعون الخطى لابتلاع ما تبقى من الضفة الغربية، وتحويلها إلى كانتونات معزولة، بينما تقف السلطة عاجزة أمام هذا الهجوم الاستيطاني المتسارع، لأنها رهنت مصيرها طوال عقود بخيار واحد وأوحد، حل الدولتين، متخيلة أن الدبلوماسية وحدها ستعيد الحقوق، وأكثر من ذلك، حين حاولت إثبات حسن النوايا عبر الحملات الأمنية، ظنًّا منها أن ملاحقة المقاومين أو وسمهم بـ"الخارجين على القانون" سيحمي المنجزات السياسية المتوهمة، لكنها سرعان ما اكتشفت، ولو متأخرة، أنها كانت تذبح نفسها بيدها، وتقوّض الحاضنة الشعبية التي تشكل درعها الوحيد.

وبالتالي، فقد وجدت السلطة نفسها اليوم بمواجهة أزمات خانقة وعلى جميع المستويات، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ومع ذلك، ما زالت تكرر ذات السلوك المزمن، بنفس الأدوات، غير أنها تنتظر نتائج مختلفة، كانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية أملًا حدوث تغيير زلزالي، قد يقلب اتجاه الأمور لصالحها، ناسية أو متناسية واقعًا مريرًا ومؤلمًا، أفرزته العقود الماضية، حيث كانت كل انتخابات تأتي بيمينيين أكثر تطرفًا من سابقيهم، حتى بات مأزق السلطة يتسع باستمرار، فاتسع الخرق على الراقع، وتراكمت الخيبات الواحدة تلو الأخرى، دون أي قراءة نقدية حقيقية، أو استراتيجية بديلة تخرج المشروع الوطني من غرفة الإنعاش.

وأمام هذا المشهد القاتم، تبرز بوقاحة بالغة مفارقة الموقف الأمريكي، الذي يستنفر دبلوماسيته ويطالب بإزالة خيمة عشوائية نصبها مستوطنون في بلدة "قصرة" جنوب نابلس، بذريعة حماية فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، بينما تجده يلوذ بالصمت المطبق، ويسكت تمامًا عن عشرات المستوطنات التي تبتلع الأرض الفلسطينية، وعن الدم الفلسطيني المسفوح يوميًا على امتداد الضفة، إن هذا النفاق الدولي يكشف زيف ادعاءات راعية السلام، تلك التي لا تحرك ساكنًا إلا لخدمة مصالحها الضيقة، متجاهلة أن الدمار الاستيطاني يلتهم ما تبقى من أمل في إقامة كيان فلسطيني، أي كيان.

ولقد انعكس هذا الانسداد السياسي والتآكل الميداني بشكل مباشر على حياة المواطن الفلسطيني، الذي بات يعيش حصارًا خانقًا، وظروفًا اقتصادية ومعيشية بالغة القسوة، إما بفعل احتجاز أموال الضرائب، أو تدمير البنى التحتية وتقطيع أوصال القرى والبلدات الفلسطينية، وإرهاب المستوطنين، وبدلًا من أن تتجه السياسات الرسمية نحو تعزيز صمود الفلسطينيين وتوفير مقومات البقاء على الأرض، تجدها قد انخرطت في معارك جانبية، وحسابات ضيقة لتثبيت بقائها الإداري المأزوم، متناسية أن الأجيال الجديدة، التي تنشأ وسط جدران الفصل والأسلاك الشائكة والبوابات والاجتياحات اليومية، لا تملك ترف انتظار وعود وهمية لا تصنع إلا مزيدًا من الخذلان.

إن الشارع الفلسطيني اليوم يرى بأم عينه كيف تُبنى المستوطنات وتتوسع، وكيف تُداس الحقوق تحت بساطير الاحتلال ومستوطنيه، وكيف تُسفك الدماء، بينما تقف القيادة متفرجة، عاجزة أو مكبلة بخياراتها القديمة، وهو ما يفرض قناعة راسخة بأن الرهان على تسوية لن تكون، وأن انتظار "معجزة" في الانتخابات الإسرائيلية لم يعد سوى انتحار سياسي بطيء، وأن الخروج من هذا المأزق التاريخي يتطلب مغادرة وهم الحلول الجزئية، ووقف سياسات الهروب للأمام، وإعادة بناء استراتيجية وطنية شاملة وموحدة، تعيد الشارع إلى الشارع، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني التحرري، وتعزز مقومات الصمود، قبل أن تختفي الأرض من تحت أقدام الجميع، ولا يبقى من الوطن إلا ذكريات على جدران ممزقة.

المصدر / فلسطين أون لاين