قائمة الموقع

حين تتحول الخيام إلى أفران.. أمهات غزة يطاردن الظل بالماء والعصي

2026-08-15T08:29:00+03:00
ارتفاع درجات الحرارة يحوّل خيام نازحي غزة إلى أفران (أرشيف)
فلسطين أون لاين

ترفع ياسمين السوسي الماء بيديها وترشه على شادر خيمتها في وسط قطاع غزة. قطرات قليلة تسقط على الغطاء الساخن، في محاولة لخفض حرارته قبل أن تعود الشمس إلى تسخينه من جديد.

لا تملك ياسمين وسيلة تبريد داخل خيمتها، فتستخدم الماء المتاح لديها كحل مؤقت، بالرغم من حاجتها إليه في تفاصيل الحياة اليومية. تقول إن الحرارة داخل الخيمة تصبح شديدة خلال النهار، وإنها تضطر إلى رش الشادر بالماء حتى تخفف عن نفسها وأطفالها وطأة الحر ولو لفترة قصيرة.

لكن هذه المحاولة لا تدوم طويلًا؛ فسرعان ما يجف الماء تحت الشمس، وتعود الحرارة إلى الخيمة، لتبدأ الأسرة رحلة أخرى بحثًا عن الهواء والظل.

ماءٌ فوق الشادر

تقول ياسمين لصحيفة "فلسطين": إن الخيمة تتحول في ساعات النهار إلى مكان شديد الحرارة، مع غياب الكهرباء ووسائل التبريد، لذلك تحاول استخدام ما هو متاح لديها لمواجهة الطقس.

وتضيف أن رش الماء على الشادر يمنحها بعض التخفيف المؤقت، لكنها تدرك أن المياه مورد لا يمكن هدره، خصوصًا في ظل صعوبة الحصول عليها.

وبين الحاجة إلى الماء للتبريد والحاجة إليه للشرب والاستخدامات اليومية، تجد العائلات نفسها أمام خيار قاسٍ؛ فكل كمية تُسكب على الخيمة هي كمية تحتاج الأسرة إليها في مكان آخر.

أكثر من عامين

في مواصي خانيونس، تعيش لينا أبو ندى رحلة نزوح مستمرة منذ اجتياح رفح، تجاوزت عامين. خلال هذه الفترة، تحولت الخيمة من مأوى مؤقت إلى مكان تقضي فيه الأسرة تفاصيل حياتها اليومية.

تقول لينا لصحيفة "فلسطين": إن حرارة الخيمة تزداد مع ارتفاع الشمس، حتى يصبح البقاء داخلها خلال ساعات النهار شاقًا، خصوصًا على الأطفال.

وتروي أن العائلة تحاول البحث عن أي طريقة لتخفيف الحرارة، سواء برفع الغطاء أو فتح أطراف الخيمة للسماح بمرور الهواء، أو الخروج إلى المساحات المحيطة بها عندما تشتد الحرارة.

ولا تتوقف معاناة لينا عند ارتفاع درجات الحرارة، فالذباب والبعوض والبراغيث والحشرات تلاحق النازحين خلال اليوم، بينما تضطر الأسر إلى التعامل مع القوارض في محيط أماكن النزوح.

وتقول إن الذباب يبدأ بالظهور منذ ساعات الصباح الأولى، ويوقظ النائمين، فيما يصبح النوم والجلوس داخل الخيمة أكثر صعوبة مع ارتفاع الحرارة.

الهروب من الخيمة

في خيمة أخرى، تبدأ معاناة أم وطفلتها ذات الأشهر السبعة منذ السابعة صباحًا. مع ارتفاع الحرارة، تخرج الأم بطفلتها من الخيمة إلى شادر بلاستيكي وضعته فوق ممر يصل إلى الخيمة، بحثًا عن مكان أقل حرارة.

لكن الطفلة لا تجد الراحة حتى هناك. تقول والدتها لصحيفة "فلسطين": إن ابنتها تبدأ بالبكاء عندما يشتد الحر، ويتصبب العرق من جسدها، بينما يلاحقها الذباب ويقرصها، فتظل مستيقظة وترفض النوم.

تحملها الأم وتخرج بها إلى خارج الخيمة، بحثًا عن بقعة ظل تستطيع أن تضع طفلتها فيها لتنام، لكنها لا تجد مكانًا يحميها من الشمس.

تقول إن الأشجار التي كانت توفر الظل لم تعد موجودة في كثير من الأماكن، كما أن المباني التي كان يمكن الاحتماء بجدرانها تعرضت للدمار، لذلك لا تجد أمامها سوى التنقل بطفلتها بين الخيمة والممر والشادر.

صينية لطرد الذباب

حين لا تجد الأم مكانًا مظللًا، تستخدم ما لديها من أدوات بسيطة لحماية طفلتها. تمسك صينية بلاستيكية وتهوي بها فوق جسد الصغيرة، وتلوّح بها لطرد الذباب عنها.

تقول إن هذه الحركة تتكرر باستمرار، وإنها مرهقة، لكنها لا تملك وسيلة أخرى تمنع الذباب من الاقتراب من طفلتها.

وبين حمل الطفلة وتهدئتها وتحريك الصينية، تمر ساعات النهار طويلة على الأم، بينما تبقى غايتها الأساسية أن تنام طفلتها ولو قليلًا.

أمنة زعرب

أما أمنة زعرب، فتواجه بدورها حرارة الخيمة بوسائل بسيطة من المتاح. تقول إن ارتفاع الحرارة يجعل البقاء داخل الخيمة خلال ساعات النهار أمرًا صعبًا، لذلك تحاول تغيير طريقة استخدام المأوى بما يسمح بمرور الهواء وتخفيف تعرضه المباشر للشمس.

وتشير في حديثها مع صحيفة "فلسطين" إلى أن النازحين لا يملكون أجهزة تبريد أو وسائل عزل مناسبة، فيلجؤون إلى العصي والأغطية وفتح جوانب الخيام وصناعة ظلال إضافية حولها.

هذه الوسائل لا توقف الحرارة، لكنها تمنح العائلات بعض الحركة للهواء، وتخفف انتقال أشعة الشمس مباشرة إلى أماكن الجلوس والنوم.

فراغٌ بين الشادر والخيمة

من الطرق التي يعتمدها النازحون رفع الشادر الخارجي فوق سقف الخيمة بواسطة عصا، بحيث لا يلتصق الغطاء مباشرة بالقماش الداخلي.

يترك هذا الترتيب فراغًا بين الغطائين، يسمح بحركة الهواء ويخفف من انتقال حرارة الشادر الساخن مباشرة إلى داخل الخيمة، خصوصًا عندما تبقى بعض الجوانب مفتوحة.

لكن الطريقة تعتمد على الأدوات المتوافرة وثبات الخيمة واتجاه الرياح، كما تحتاج إلى تثبيت جيد حتى لا يسقط الغطاء أو تصبح الخيمة أكثر عرضة للاضطراب.

حلول للبقاء

بالنسبة إلى الأمهات، لا تبدو هذه الوسائل محاولة للحصول على الراحة، بل بحثًا عن الحد الأدنى الذي يسمح للأطفال بالنوم والجلوس بعيدًا عن الحر والحشرات.

رش الماء، رفع الشادر، فتح أطراف الخيمة، صناعة ظل إضافي، واستخدام صينية بلاستيكية لطرد الذباب؛ تفاصيل صغيرة أصبحت جزءًا من يوميات النزوح.

لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة. فرش الماء على الشادر يحتاج إلى مصدر مياه، ورفع الغطاء يحتاج إلى أدوات تثبيت، وفتح الخيمة قد يسمح بدخول الحشرات والغبار، فيما لا يمكن لهذه الإجراءات أن تحل مشكلة مأوى صُمم أساسًا للإقامة المؤقتة بينما امتد النزوح لأشهر وسنوات.

في غزة، لا تبحث الأمهات عن صيف بارد، ولا عن خيمة مريحة؛ كل ما يردنه هو ظل لا تحرقه الشمس، وهواء يتحرك داخل مأوى خانق، وطفل يستطيع أن ينام دون أن يوقظه الحر أو الذباب.

وبين قطرات الماء التي ترشها ياسمين على شادر ساخن، ومحاولات لينا الاحتماء بما تبقى من هواء وظل، وصينية أمٍّ تتحول إلى مروحة لطفلة رضيعة، تواصل العائلات يومها في مواجهة صيف قاسٍ، بأدوات قليلة وحلول لا تتجاوز حدود الاحتمال.

اخبار ذات صلة