لم يكن رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خارطة الطريق المتعلقة بغزة مجرد موقف تفاوضي يهدف لتحسين ظروف الاتفاق لمصلحة الاحتلال، بل جاء ليعكس تعارضا جوهريا بين الرؤية التي تبنتها الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليون من جهة، والموقف الإسرائيلي الذي يربط أي تسوية مستقبلية بتحقيق أهداف أمنية وسياسية محددة من جهة أخرى، وفق محللين سياسيين.
ويأتي هذا الرفض الإسرائيلي في توقيت سياسي ينظر إليه داخل دولة الاحتلال على أنه شديد الحساسية، إذ تقترب انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وبينما تتمسك الفصائل الفلسطينية بخطة وقف إطلاق النار بهدف إنهاء أشكال العدوان كافة وتحقيق انسحاب الاحتلال وإطلاق عملية إعادة الإعمار، يثير الموقف الإسرائيلي تساؤلات حول مستقبل الجهود الدبلوماسية، وقدرة الوسطاء على تحويل الاتفاق من وثيقة سياسية إلى خطة قابلة للتنفيذ على الأرض.
وفي 31 يوليو/تموز 2026 أعلن ما يسمى مجلس السلام والرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى خريطة طريق جديدة لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وذلك عقب جولة مفاوضات استضافتها مدينة العلمين المصرية.
وتتضمن خريطة الطريق انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وتخزين السلاح الثقيل للمقاومة في غزة بأيد فلسطينية، وتولي إدارة فلسطينية مستقلة شؤون القطاع، لكن نتنياهو اشترط ما سماه "نزع سلاح" المقاومة بالكامل.
الانتخابات الإسرائيلية
ويرى الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر أن موقف نتنياهو لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الداخلية، مشيرا إلى أنه يتعامل مع ملف غزة بوصفه أحد أهم الملفات المؤثرة في مستقبله السياسي.
ويقول أبو جابر لصحيفة "فلسطين": "من الخطأ النظر إلى رفض نتنياهو لخطة غزة باعتباره خلافا فنيا حول بعض البنود، لأن المسألة أعمق من ذلك بكثير. نتنياهو يدرك أن أي اتفاق يتضمن انسحابا إسرائيليا من قطاع غزة قبل تحقيق ما يصفه بالانتصار الكامل سيستخدم ضده خلال الحملة الانتخابية".
ويضيف: "نحن نتحدث عن انتخابات تقترب بسرعة، وعن ائتلاف حكومي يعتمد بصورة كبيرة على الأحزاب اليمينية المتشددة. لذلك فإن نتنياهو لا يستطيع سياسيا أن يظهر بمظهر الشخص الذي قدم تنازلات لحركة حماس، حتى لو كان ذلك في إطار اتفاق دولي يحظى بدعم أطراف إقليمية ودولية".
ويرى أن الخلاف الأساسي يتمحور حول ترتيب تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق، قائلا: "الخطة المطروحة تقوم على مبدأ التدرج والتوازي (...) وضمن جدول زمني واضح، لكن نتنياهو يريد إعادة ترتيب هذه المعادلة بالكامل من خلال تقديم ملف السلاح على جميع الملفات الأخرى".
وعن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، يوضح جابر أن الرفض الإسرائيلي لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق بصورة نهائية، ويضيف: "من المبكر الحديث عن انهيار كامل للمفاوضات، لأن الوسطاء ما زالوا يتحركون من أجل تقريب وجهات النظر. لكن المؤكد أن رفض نتنياهو سيؤدي إلى إبطاء تنفيذ الاتفاق وإطالة أمد المفاوضات".
وفيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية بسبب رفض نتنياهو خطة غزة، يؤكد أبو جابر أن الخلاف حول الخطة قد يؤدي إلى توترات سياسية محدودة، ويقول: "إذا كانت الإدارة الأمريكية تعتبر الاتفاق جزءا من استراتيجيتها الإقليمية، فإن رفض نتنياهو قد يسبب حالة من التباين بين الطرفين. لكن من الصعب الحديث عن أزمة حقيقية، لأن العلاقات الأميركية الإسرائيلية تقوم على شبكة واسعة من المصالح الأمنية والعسكرية والاستراتيجية".
ويختم حديثه بالقول: "قد نشهد خلال الفترة المقبلة ضغوطا أمريكية أكبر على حكومة نتنياهو، لكن قدرة هذه الضغوط على تغيير موقف نتنياهو ستظل مرتبطة بالمعادلات الداخلية الإسرائيلية وبنتائج الانتخابات المقبلة".
نقطة قوة
من جانبه، يشيد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل بحالة التوافق الفلسطيني التي رافقت الموافقة على خطة وقف إطلاق النار، عادا أن هذه الخطوة تعكس مستوى متقدما من المسؤولية السياسية في التعامل مع الأزمة.
ويقول عوكل لصحيفة "فلسطين": "الموافقة الفلسطينية على بنود الاتفاق تمثل تطورا مهما، لأنها تعكس وجود إرادة حقيقية لإنهاء الحرب والتخفيف من معاناة المواطنين في قطاع غزة. كما أنها تشير إلى وجود إدراك لدى مختلف القوى الفلسطينية بأن المرحلة الحالية تتطلب تقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى".
ويضيف: "ما يميز هذه الخطة هو أنها لم تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، بل تضمنت ملفات الحكم والإعمار والإغاثة وإدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنحها بعدا سياسيا وإنسانيا متكاملا".
ويؤكد أن الموقف الفلسطيني الإيجابي وضع (إسرائيل) أمام اختبار سياسي حقيقي، ويقول: "عندما تعلن الفصائل الفلسطينية قبولها بخطة متكاملة لوقف إطلاق النار، فإنها تنقل الكرة إلى الملعب الإسرائيلي، وتجعل المجتمع الدولي أكثر قدرة على تحديد الطرف الذي يعرقل جهود التهدئة".
وحول كيفية مواجهة رفض نتنياهو، يشدد عوكل على ضرورة الحفاظ على الوحدة الفلسطينية، ويقول: "المطلوب فلسطينيا هو حماية حالة التوافق الحالية وعدم السماح للخلافات الداخلية بإضعاف الموقف السياسي. كما يجب تشكيل مرجعية وطنية موحدة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة والتحدث بصوت واحد أمام المجتمع الدولي".
ويدعو إلى توسيع التحرك الدبلوماسي الفلسطيني على المستويات كافة، ويقول: "يجب نقل ملف الاتفاق إلى المؤسسات الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، والعمل على بناء موقف دولي ضاغط يدعم تنفيذ الاتفاق ويمنع تعطيله".
أما فيما يتعلق بدور الوسطاء، فيؤكد عوكل أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالهم من دور الوسيط التقليدي إلى دور الضامن لتنفيذ الاتفاق، ويقول: "لا يكفي أن يطرح الوسطاء المبادرات ثم يكتفوا بإدارة الحوار بين الأطراف، بل يجب أن تكون هناك آليات واضحة تضمن تنفيذ البنود المتفق عليها، إضافة إلى وضع جداول زمنية محددة وآليات رقابة فعالة".