منذ أكثر من عام، تجلس أم خالد طافش في المكان نفسه، حبيسة جسد أنهكه المرض والنزوح، بعدما فقدت كرسيها المتحرك الذي كان يمنحها شيئًا من القدرة على الحركة.
وبينما يمضي الناس في الخارج، لا تجد المرأة الستينية أمامها سوى جدران صف مدرسة خليل الوزير بغزة الذي نزحت إليه قسرا، تحلم فقط بخطوات بسيطة: أن تخرج، وترى الشمس، وتلتقي بالناس.
لم تكن أم خالد طافش تتخيل أن يصبح الخروج من الغرفة حلمًا بعيد المنال، فالمرأة التي تجاوزت الستين، وتعاني منذ عقود السمنة المفرطة ومشكلات في الغدد، لم تكن تملك قبل الحرب حياة سهلة.
لكنها كانت قادرة على الحركة بوسيلة تساعدها على الانتقال والخروج من عزلتها، كان الكرسي المتحرك بالنسبة إليها أكثر من مجرد وسيلة؛ كان نافذتها الصغيرة إلى العالم.
أما اليوم، فقد أُغلقت تلك النافذة، تجلس أم خالد في مكان نزوحها، وقد مضى نحو عام وشهران منذ فقدت كرسيها المتحرك، تقول بحسرة لصحيفة "فلسطين": "من سنة وشهرين وأنا قاعدة في نفس المكان، لا بشوف بشر".
جملة قصيرة، لكنها تختصر عزلة امرأة لم تعد قادرة على الوصول إلى الخارج، ولا يستطيع الخارج الوصول إليها بسهولة.
مرض يرافقها منذ عقود
تعود معاناة أم خالد الصحية إلى سنوات طويلة، تقول إنها عاشت مع السمنة المفرطة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، عندما كانت في منتصف العشرينيات من عمرها، إلى جانب مشكلات في الغدد أثرت في حياتها وصحتها.
ومع مرور السنوات، أصبح وزنها عبئًا إضافيًا على جسدها الذي يحتاج إلى الرعاية والحركة، قبل أن تأتي الحرب لتضيف طبقة جديدة من المعاناة: النزوح، فقدان الأدوات المساعدة، وضيق المكان، وصعوبة الحصول على احتياجاتها الأساسية.
تتحدث أم خالد عن وزن وصل في إحدى الفترات إلى نحو 162 كيلوغرامًا، وعن جسد بات يحتاج إلى مساعدة الآخرين في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
لكن المرض وحده لم يكن ما حاصرها، فالحرب، بما حملته من نزوح متكرر وتبدل في أماكن الإقامة، أخذت منها الوسيلة التي كانت تساعدها على الحركة، لتتحول حياتها تدريجيًا إلى إقامة قسرية داخل المكان الذي تعيش فيه.
تقول، إن الرحلة لم تكن سهلة، وإنها عاشت فترة في إحدى المدارس قبل أن تعود إلى غزة، لكنها حين عادت لم تستعد حياتها السابقة، ففي خضم تلك التحركات، فقدت كرسيها المتحرك.
"نفسي أطلع وأشوف الناس"، ربما تبدو أمنية أم خالد بسيطة لأي شخص يستطيع فتح الباب والسير إلى الخارج، لكنها بالنسبة إليها أصبحت حلمًا يحتاج إلى مساعدة.
تقول: "كانت نفسي أطلع، أروح وأجي وأشوف الناس برة"، ثم تصمت لحظة قبل أن تصف واقعها الحالي: "سنة وشهرين قاعدة في نفس المكان.. لا قاعدة ولا بشوف بشر".
تريد أن ترى الشمس، أن ترى وجوه الناس، أن تجلس خارج الغرفة، أن تشعر بأن العالم ما زال موجودًا.
ابنها.. السند الذي بقي معها
ومع غياب الكرسي المتحرك، لم تجد أم خالد أمامها سوى الاعتماد على أفراد أسرتها، وفي مقدمتهم ابنها الذي يعيش معها.
توضح أن لديها خمسة أبناء، بينهم ثلاثة أبناء وبنتان، وإن أحد أبنائها موجود في الجنوب، في حين يعيش معها ابن آخر غير متزوج، أصبح المسؤول بصورة أساسية عن رعايتها.
تقول عنه: "هو اللي بخدمني، وهو بيشطفني وبيغسلني، لكن الرعاية اليومية لشخص يعاني صعوبة شديدة في الحركة ليست مهمة سهلة، خصوصًا في ظروف النزوح والحرب".
وتشير إلى أن ابنها، بالرغم من محاولاته، لا يستطيع توفير كل احتياجات الرعاية الشخصية في ظروف النزوح.
وتتحدث عن حاجتها المستمرة إلى المساعدة في النظافة والعناية بجسدها، وهي احتياجات تبدو بسيطة في الظروف الطبيعية، لكنها تصبح شديدة التعقيد عندما يعيش الإنسان نازحًا ويفتقد وسيلة الحركة ومستلزمات الرعاية.
الألم لا يتوقف عند فقدان الكرسي ولا تقف احتياجاتها عنده، فمع بقائها لفترات طويلة في وضعية واحدة، وعدم قدرتها على الحركة بصورة كافية، تتحدث عن معاناة جلدية ومشكلات في مناطق مختلفة من جسدها، خصوصًا أسفل الجسم وتحت الصدر.
تقول:" إن هذه المناطق أصبحت بحاجة إلى عناية وتنظيف مستمر، وإنها تحتاج إلى كريمات ومساحيق ومواد للنظافة والعناية بالجلد".
ووسط كل ذلك، بقي احتياج واحد يبدو في ظاهر الأمر صغيرًا، لكنه بالنسبة إليها كبير جدًا: أن تتحرك.
كرسي واحد قد يعيد إليها جزءًا من حياتها، بالنسبة إلى أم خالد، لا يمثل الكرسي المتحرك قطعة من المعدات الطبية فحسب، إنه وسيلة لاستعادة قدر من الاستقلالية. وقد يكون الباب الذي تعود منه إلى الحياة.

