إعلان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي "نتنياهو" رفضه الصريح لخطة النقاط الـ15 التي رعتها الإدارة الأمريكية وتبناها الوسطاء، واضطلع بنقاشها مجلس السلام، ووافقت عليها الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، التي أبدت مرونة لنجاح هذه المساعي وللوصول إلى الاتفاق المنشود.
هذه اللغة الاستعلائية من الاحتلال الإسرائيلي ووزراء ائتلاف اليمين الفاشي بقيادة نتنياهو، إنما تخفي خلفها خوفًا وقلقًا تغذيه مجموعة من العوامل التي تؤثر على الجو العام في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وتفرض نفسها على الحكومة والمشهد السياسي هذه الأيام. فالحكومة التي يراها قسم كبير من المجتمع الصهيوني فاسدة، وبأنها هي المسؤولة المباشرة عن إخفاق السابع من أكتوبر، يرى في اللحظة القائمة الفرصة المتاحة لإسقاطها، وهي التي فشلت في تقديم نموذج حقيقي للنصر المطلق الذي دأب رئيس وزرائها على مطاردته في غزة وفي دول المنطقة، دون تقديم نموذج حقيقي له.
نتنياهو، الذي يواجه تهمًا بالفساد وخيانة الأمانة، ويخضع للمحاكمة في ظل وجوده على رأس عمله، لا يمكن أن يسمح بإيداعه في السجن وسقوط شمسه، بعد عقود من العمل السياسي والخدمات الجليلة وفق نظره، والتي اعتاد على تسويقها للمواطن الصهيوني، حينما يدعي بأنه رجل الأمن الأول وملك ملوك "إسرائيل" بلا منازع.
لذلك تجده كلما خبت نيران الحرب في قُطر من الأقطار، سارع لإشعالها في مكان آخر، حتى باتت الحروب المستعرة وسيلته المفضلة لكسب الوقت، ومن ثم قلوب مجتمع متعطش للدماء والخراب. لذلك تجده يسعى لإدامة خيار العدوان والترهيب حاضرًا في غزة والضفة الغربية، لعله بذلك ينجو من المحاسبة ويعطل أي فرصة للمساءلة التي قد تهدد حياته السياسية في حال الخسارة.
استطلاعات الرأي التي باتت تعطي ثقلًا مقلقًا لمنافسيه، والتنافس الانتخابي المحموم الذي يشتد مع الوقت في الكيان، يؤكدان هذه النظرية، ويدعمان هذا الاستنتاج. فصراخ نتنياهو وحاشيته من المطبلين، حيث الأخطار المزعومة، والعين على عدم ضياع فرصة الحصول على كرسي رئاسة الوزراء مجددًا في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهي الضامن الوحيد لعدم محاكمته دون الحصول على عفو عام.
لذلك قد يعارض قادة الاحتلال ونتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب ظاهريًا، ويرفضون علنًا توجيهات الإدارة الأمريكية لحين من الوقت، وقد يتلاعبون في الصياغات والعبارات، علهم بذلك يظهرون بصورة الواثق الحازم أمام قرارات واشنطن، في رسالة واضحة للداخل الصهيوني. لكنها لا تعكس الواقع الحقيقي الذي يتلخص بحاجة الاحتلال الإسرائيلي للدعم الأمريكي السخي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، كشرط لبقاء الكيان.
وقد شاهدنا بالحقائق والأرقام أن هذا الدعم تصاعد لمستويات قياسية في ولايتي الرئيس الأمريكي ترامب، فهو من منح الاحتلال حق السيادة في القدس، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ومنحهم السيادة على الجولان، ويساهم في تقويض وكالة الأونروا بعد فرض عقوبات كبيرة عليها، إلى جانب الكثير من السياسات والإجراءات والقرارات التي قدمتها الإدارة الأمريكية لتعزيز وجود الكيان وضمان أمنه وتفوقه على دول المنطقة.
وعليه، فإن الوقت المتبقي للانتخابات الصهيونية سيشهد المزيد من الحشد والتعبئة الإعلامية نحو التصعيد، وربما يترجم نحو إعادة إنتاج الحرب في أكثر من مكان، لمحاولة ترجيح كفة اليمين الفاشي في المجتمع، وللفوز في السجال الانتخابي الأخطر على الحياة السياسية لرئيس الوزراء الذي يلاحقه الفشل، والمتهم بالفساد داخليًا، والمطلوب لمحكمة العدل الدولية خارجيًا. هذا لا يعني أن لا ينصاع الاحتلال الإسرائيلي للإرادة الأمريكية ولضغوط الوسطاء، لكن على عادته، سيسعى الاحتلال الإسرائيلي لتفريغ أي اتفاق من مضمونه من خلال المماطلة والمراوغة وتبهيت الإنجازات، بحيث تبقى الأمور في دائرة الاستنزاف والمعاناة ضمن مساحة مهندسة لتخدم الرؤية والأهداف الصهيونية، حتى تتضح الصورة وينجلي المشهد وتحسم النتائج في الانتخابات القادمة. ليبرز سؤال ثقيل بحجم الألم: هل يسع الفلسطيني المزيد من الانتظار بعد عامين من الإبادة؟