في نظرية القرار السياسي هناك تمييز بين مرحلتين: الأولى، وهي صنع القرار (وهي عرض البدائل المختلفة للقرار وتقييم نتائج كل بديل)، ومرحلة اتخاذ القرار (وهي اختيار أحد البدائل على أساس القاعدة الذهبية، وهي أكبر قدر من المكاسب الممكنة أو أقل قدر من الخسائر المحتملة).
من الضروري أن تتنبه الأدبيات السياسية العربية إلى أن الخلافات بين ترامب ونتنياهو ليست في إستراتيجيتهما المتفق عليها، بل في آليات تحقيقها، فهما على اتفاق تام في الأهداف، ولكن الخلاف التكتيكي بينهما في آليات وأزمان التنفيذ للقرار، ولعل ظروف حكومة كل منهما تقتضي بعض التباين أحيانًا.
من الضروري التنبه إلى أن ترامب اتخذ سلسلة من القرارات الاستراتيجية الخطيرة، والتي كان كافة رؤساء الولايات المتحدة "يتجنبونها" أو "يؤجلونها" أو "يتخذون منها مواقف غير واضحة"، ويكفي التوقف عند قرارات ترامب التالية:
1- اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ديسمبر 2017.
2- نقل السفارة الأمريكية للقدس، مايو 2018.
3- الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، 2018.
4- إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، 2018.
5- إعلانه أن المستوطنات في الضفة الغربية ليست مخالفة للقانون الدولي، في 2019.
6- الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان وضمها، 2019.
7- إعلان صفقة القرن، 2020.
8- عقد اتفاقات أبراهام بين دول عربية وإسرائيل، 2020.
9- وقف تمويل وكالة غوث اللاجئين (قرار تمهيدي عام 2018 ثم تنفيذي عام 2025).
10- رفع العقوبات التي فرضها بايدن على بعض المستوطنين، 2025.
11- مشاركة إسرائيل في هجمات واسعة على محور المقاومة (إيران واليمن)، 2025.
12- إصدار أوامر لتشديد الإجراءات ضد معاداة السامية في الجامعات الأمريكية، 2025.
13- اختيار سفراء ومبعوثين لموضوعات القضية الفلسطينية من المعروفين بتأييدهم التام لإسرائيل، 2025.
14- الضغوط على الدول العربية، بخاصة الخليجية، لنزع سلاح كل فصائل محور المقاومة، ومحاولة ترتيب تطبيع علاقات بين لبنان وإسرائيل، 2025.
إن الموبقات الأربع عشرة التي تبناها ومارسها ترامب تصب في جوهر المشروع الصهيوني تمامًا، وبقدر يتجاوز حدود تأييد أي رئيس أمريكي سابق، فهو يتجاوز ترومان ونيكسون وريغان وبوش في انحيازه الاستراتيجي لإسرائيل.
والملاحظ أن ترامب وفريقه السياسي (في الدورة الأولى لرئاسته والدورة الحالية) هو الأقل علاقة بشركات البترول، مما يجعله أقل مراعاة لأدنى مطالب دول البترول العربية، وتعطيه مساحة أوسع ليتصرف معها ويوظف إمكانياتها دون أي تحفظ، بل ويجعله أكثر وضوحًا في مطالبه، كما نرى هذه الأيام في ربطه العلاقة مع السعودية في مجال التعاون النووي بالانضمام لاتفاقيات أبراهام.
بناءً على ما سبق، فإن ترامب –بنرجسيته المفرطة– يريد أن يبقى سيدًا للموقف الاستراتيجي في المنطقة، فهو لا يتباين مع نتنياهو في الهدف إطلاقًا، بل التباين فيمن يقود تنفيذ الخطة، وما هي أولويات التنفيذ. ويبدو لي أن الحس الأمني لنتنياهو يعلو على الحس الأمني لترامب، كما أن الحس النرجسي عند ترامب يعلو على هذا النزوع عند نتنياهو.
إن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي –فانس– عن علاقة إبستين بالموساد، أو خسارة إسرائيل لمعركة العلاقات العامة الدولية، هي خلافات حول إدارة المعركة الدبلوماسية، لا على أهداف المعركة، وإذا كان ترامب وفانس ينظران للدور الإسرائيلي ككبير ضباط السفينة لا كقبطانها، فإن إسرائيل ترى أن القيمة العليا تتحدد بهواجس إسرائيل الأمنية وتصفية خصومها، بينما يرى وزير الدفاع الأمريكي هيغسيث الأمر من منظور "صليبي" لا لبس فيه، فكلهم متفقون على الهدف، فإذا وقع خلاف فهو على أولويات مراحل التنفيذ وتبريراته الأيديولوجية والعملية.
والملاحظ أن الإعلام العربي –وبخاصة في قناة الجزيرة– محاولات للنفخ في التباين التكتيكي بين ترامب ونتنياهو وتحويله إلى خلاف استراتيجي، وهو جزء من آليات التعمية للعقل العربي، فما أقدم عليه ترامب هو ما تسميه الدراسات المستقبلية "تحولًا في المسلمات" (Paradigm Shift)، بل إن بعض الباحثين أسموها "القطيعة" مع ضوابط السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، بل إن كل قضايا الحل النهائي قرر فيها ترامب الاستجابة التامة لكل مطالب إسرائيل.
إن التمويه في سياسات ترامب هو تكتيك يتبعه الكثير من السياسيين، لكن المصيبة في إعلام يريد أن يقدم لنا أمريكيًا كطرف "محايد، ملتزم بالقوانين"، ولكن عبر إعلام متدرب على التمويه أيضًا من خلال السماح ببعض النقد التجميلي، ويكفي العودة لدراسات أكاديمية مثل دراسات:
- Tine Ustad Figenschou، التي تقيس الانحياز البنيوي من خلال اختيار المصادر والنخب.
- Toni Rouhana، الذي يكشف الانحياز الآيديولوجي بالقياس الكمي.
كل ذلك لا يمنع من.. ربما.