المفاوضات في العلوم السياسية هي وسيلة لحل النزاعات وتسوية الخلافات، لكن في عهد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، تحولت إلى أداة أخرى تمامًا: أداة للمراوغة، ولكسب الوقت، وترويض الطرف الآخر، وقد أظهر الرئيس الأمريكي ترامب وشريكه الإسرائيلي نتنياهو أسوأ نماذج إدارة المفاوضات.
يتعامل ترامب مع العالم بأسلوب استخفاف واضح، وكسر قواعد البروتوكول مرارًا، ووجّه الإهانات حتى لحلفاء الولايات المتحدة، رأيناه خلال الحرب على إيران يتحدث عن الدول الأوروبية بازدراء، ويقول إنها لا تقدم مقابل ما تحصل عليه من دعم وحماية أمريكية.
هذه النبرة الاستعلائية يلتقي فيها ترامب مع نتنياهو، فالأخير ينطلق من رؤية مفادها أن اليهود هم "شعب الله المختار"، وأن على العالم كله أن يدين لهم بالولاء، من هذا المنطلق يتعامل الاثنان مع الملفات الإقليمية والدولية، لا يريان وجود طرف يستحق الاحترام أو التفاوض الندي، بالنسبة لهما التفاوض ليس حوارًا، بل إملاء شروط بأساليب مختلفة، انطلاقًا من وهم امتلاك القوة المطلقة.
تجلّى هذا السلوك بوضوح في الملف الإيراني، فبعد أن وصلت المفاوضات مع طهران مراحل متقدمة وبدأت ملامح اتفاق أمريكي-إيراني بالظهور، أقدم ترامب في فبراير 2026 على ضربة عسكرية مباغتة وواسعة ضد إيران استهدفت المرشد الإيراني وعددًا من القيادات، وبعد جولات طويلة توصل الطرفان لاتفاق جديد في يونيو 2026، لكن ترامب لم يلتزم ببنوده وعاد سريعًا للتلويح بالقوة وتوجيه الضربات لإيران.
هذا ليس جديدًا، في مايو 2018 انسحب ترامب بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني دون مبررات، ووصفه في خطابه بالبيت الأبيض بأنه "كارثي وأحادي الجانب وكان ينبغي ألا يُبرم أبدًا"، ووقّع مذكرة رئاسية لإعادة فرض أقصى درجات العقوبات الاقتصادية على طهران.
إن صياغة الاتفاقات في زمن ترامب ونتنياهو تخدم هذا الأسلوب، حيث إنها تعتمد على نصوص مفتوحة تحتمل أكثر من تفسير، ليجد لنفسه لاحقًا مبررًا لنقدها ورفع سقف المطالب، مستندًا إلى ما يراه "تفوقًا" يمتلكه.
يُدار ملف غزة بنفس الأسلوب، مع فارق خطير: تقمّص أمريكا لدور الوسيط أو راعي الاتفاقيات، بينما الهدف الجوهري هو خدمة مصالح إسرائيل.
بعد توقيع الاتفاق في أكتوبر 2025، بناءً على خطة قدمها ترامب لإنهاء الحرب على غزة، وبناءً عليها أسس "مجلس السلام" ونصّب نفسه رئيسًا له، التزمت الفصائل الفلسطينية بالاتفاق وسلمت كل الأسرى وفق ما تم الاتفاق عليه، في المقابل لم تلتزم إسرائيل بالبروتوكول الإنساني المتفق عليه، ولم تبدأ بالانسحاب أو إعادة الإعمار، بل عادت لارتكاب المجازر واستهداف المواطنين في غزة.
كان المطلوب موقفًا أمريكيًا يلزم الاحتلال، لكن ما حدث كان العكس: إعادة إنتاج رواية "مجلس السلام" وفق الرؤية الإسرائيلية، وتحميل الفصائل الفلسطينية مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاق.
يتكرر المشهد بعد الاتفاق الأخير لدخول المرحلة الثانية في يوليو 2026، بعد التوصل لصيغة توافقية حول بند السلاح، شهدنا تصعيدًا إسرائيليًا بدل الالتزام، وعادت إسرائيل لطرح مطالب جديدة دون أي استنكار أمريكي أو من "مجلس السلام".
أيضًا، لم تعلن إسرائيل عن التزامها بالاتفاق رسميًا، بل خرجت تسريبات منسوبة لمصادر في "مجلس السلام" بعد عدة أيام من الإعلان عن الاتفاق، تقول إن إسرائيل أبلغت المجلس بإيقاف الاغتيالات.
تزامنت هذه التسريبات مع تصريح رسمي لنتنياهو قال فيه: "عازم على تحقيق مصالحنا الأمنية، ولن ننسحب من الخطوط في قطاع غزة حتى تجريد حماس من سلاحها بالكامل".
هذا ليس سلوكًا جديدًا، هو امتداد لنهج أمريكي-إسرائيلي معهود منذ عقود، في اتفاقية أوسلو تم الاتفاق على حسم القضايا المصيرية: الدولة، عودة اللاجئين، والقدس، لم تلتزم إسرائيل بأي منها، واستمرت المفاوضات لسنوات دون أي نتائج، بل استمر الاستيطان بالتوسع في الضفة، واستمرت الاعتداءات على القدس ومحاولات التهويد.
لكن ما نشهده اليوم في عهد الثنائي نتنياهو وترامب، هو كسر لكل القواعد، وإظهار فجّ للغطرسة ونظرة الاستعلاء، واستخدام المفاوضات كأداة مناورة ومراوغة وكسب الوقت، بصورة واضحة ودون مواربة أو مجاملة.
لن تلتزم "إسرائيل" بأي اتفاق إلا إذا وجدت ما يكبح جماحها، ولن نجد دورًا أمريكيًا ضاغطًا حقيقيًا على إسرائيل، إلا إذا اقتضت المصلحة الأمريكية ذلك.
في هذا السياق، يكتسب توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية في 7 أغسطس 2026م أهمية خاصة، حيث أعلنت الدول الثلاث أن الاتفاق مفتوح أمام انضمام دول جديدة.
نأمل أن تشكل هذه الخطوة نواة لجسم إقليمي يعيد للمنطقة وزنها وتأثيرها، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية المطلقة، لكن الأيام والشهور القادمة وحدها ستكشف مدى قدرة هذه الدول على لعب هذا الدور، ومدى قدرتها على الخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية المطلقة.