قائمة الموقع

في يوم الشباب العالمي.. شباب غزة يواجهون حربًا على الجسد والمستقبل

2026-08-12T09:02:00+03:00
الشاب محمد حسن عبد ربه
فلسطين أون لاين

لم يكن محمد حسن عبد ربه برغوث يتخيل أن خروجه من تحت أنقاض منزله سيكون بداية لحياة أخرى، لا تشبه تلك التي عاشها قبل الحرب.

بعد ساعات من بقائه تحت الركام في خان يونس، خرج محمد حيًا، لكنه فقد شقيقته وابن عمه، كما فقد ساقه اليسرى. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العمل الذي كان مصدر رزقه ممكنًا، وأصبح المستقبل بالنسبة إليه سؤالًا مفتوحًا.

وفي 12 أغسطس/آب، الذي يوافق اليوم الاربعاء، بينما يحتفل العالم باليوم العالمي للشباب الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1999 للتذكير بقضايا الشباب ودورهم في بناء المجتمعات، يقف شباب قطاع غزة أمام واقع أكثر قسوة؛ فالحرب لم تقتل منهم الآلاف فحسب، بل أصابت آخرين، وبترت أطرافهم، وحرمتهم من العمل والتعليم والاستقرار، ودفعت أحلامهم إلى المجهول.

محمد، من سكان معسكر خان يونس، كان يعمل ويعتمد على نفسه في إعالة أسرته قبل إصابته.

يقول إنه كان داخل منزله في منطقة البلوك "G" عندما تعرض منزل جيرانه للقصف، ما أدى إلى استشهاد تسعة أشخاص من العائلة.

"قصفوا جيراننا.. بيت جيراننا، واستشهدوا جيراننا كلهم 9 أفراد"، يقول محمد، مضيفًا أن القصف أصابه أيضًا وأدى إلى استشهاد شقيقته وابن عمه.

وبقي تحت الركام نحو ثلاث ساعات قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشاله.

يقول: "أنا كنت ميت".

بعد ثلاثة أيام، نُقل مستشفى الهلال الاحمر الفلسطيني إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، حيث خضع لعملية بتر لساقة اليسرى.

نجا محمد من الموت، لكنه لم يخرج من المستشفى كما دخل إليه.

خرج بجسد مبتور، وقدرة محدودة على الحركة، ومن دون العمل الذي كان يمثل بالنسبة إليه مصدر رزق واستقلال.

"بعد ما بُترت رجلي وقعدت عن الشغل.. قاعد عند أهلي"، يقول.

ويضيف أن الإصابة جعلته غير قادر على العودة إلى ساعات العمل الطويلة التي كان اعتادها، "لا بقدر أشتغل 8 ساعات ولا 10 ساعات ولا ساعة".

ومع فقدان القدرة على العمل، بدأت معركة جديدة، هذه المرة مع الحاجة.

يقول محمد إنه يريد فرصة عمل تتناسب مع وضعه الصحي، بدلًا من أن يبقى عاطلًا عن العمل، مطالبًا الجهات المعنية بالوقوف إلى جانب المصابين الذين وجدوا أنفسهم بعد الحرب بلا مصدر دخل.

"أنا كنت شغال ولي مصدر رزق، والحين قاعد ما بشتغل"، يقول.

ولا يرى محمد نفسه حالة استثنائية. خلال وجوده في المستشفى، شاهد عشرات المصابين الذين فقدوا أطرافهم، وهو ما جعله يتساءل عما ينتظر هؤلاء بعد انتهاء العلاج.

"توّي أنا كنت في المستشفى، حوالي فوق الـ20، 30 نفر كلهم بتر. طب هدول مين بده يوفر لهم مساعدات؟ مين بده يوفر لهم معونات؟".

ويقول إن مشكلة الشاب المصاب لا تنتهي عند فقدان طرف أو الخروج من المستشفى، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر صعوبة، تشمل الحاجة إلى أطراف صناعية وتأهيل ورعاية نفسية، فضلًا عن العمل والسكن ومصدر دخل ثابت.

بالنسبة لمحمد، فقدان الساق يعني فقدان جزء من قدرته على العمل، في حين يزيد النزوح والدمار صعوبة تأمين مسكن مناسب.

"إحنا لا عارفين نشتغل، ولا نبني أسرة، ولا نعمل أي حاجة، ولا نعمل مستقبل، ولا نعمل مأوى"، يقول.

وتأتي معاناة الشباب المصابين ضمن أزمة أوسع يعيشها شباب قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة، بعدما توقفت أعمال كثيرة، وتضررت المؤسسات التعليمية والاقتصادية، وتحولت أعداد كبيرة من الشباب إلى نازحين يعتمدون على المساعدات.

لكن الشباب الذين فقدوا أطرافهم يواجهون تحديات إضافية؛ فالإعاقة الجديدة تتطلب رعاية مستمرة وإعادة تأهيل، في حين تظل فرص العمل محدودة في ظل اقتصاد منهك ودمار واسع.

ويطالب محمد بتوفير مسكن وفرصة عمل تساعده على استعادة بعض استقلاله، ويقول: "إحنا بنطلب إنه تؤمنوا لنا مأوى، تؤمنوا لنا مسكن.. تقفوا معانا".

في اليوم العالمي للشباب، لا يبحث محمد عن احتفال أو كلمات تضامن، بقدر ما يبحث عن فرصة للعودة إلى الحياة.

فبعد أن نجا من تحت الركام، يريد أن ينجو أيضًا من حياة ما بعد الإصابة؛ حياة وجد نفسه فيها بلا ساق، وبلا عمل، وبلا قدرة واضحة على رسم مستقبل لعائلته.

ويختصر حاله وحال كثير من الشباب المصابين في غزة بجملة واحدة: "الشاب اليوم الجريح.. مبتور ومحطم نفسيًا وعاطل عن العمل".

وبينما يرفع العالم في هذا اليوم شعارات تمكين الشباب وبناء المستقبل، ينتظر محمد وآلاف الشبان في غزة أن يتحول هذا المستقبل من شعار إلى فرصة حقيقية؛ فرصة للعلاج والتأهيل والعمل والسكن، ولأن يبدؤوا من جديد بعدما أخذت الحرب منهم ما هو أبعد من أطراف أجسادهم.

اخبار ذات صلة