بينما استقر اليقين في أعماق العائلة بأن فقيدهم قد استشهد وأن رحلته في هذه الدنيا قد ختمت، جاءت المفاجأة لتزلزل القلوب وتفتح أبواب الأمل من جديد، فمن بين ركام الفقد وظلمات المجهول، عاد الشاب محمود عطا الله الدريملي (24 عاما) ليطل على عائلته عبر صورة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، مبعثرا قناعات الرحيل، ومحولا دموع اليأس إلى ترقب مشوب بوجع الحياة.
وفي التفاصيل التي نقلتها العائلة لمراسل صحيفة "فلسطين"، تم الكشف عن كواليس اللحظات الأولى لرؤية الأسير محمود وهو مكبل اليدين ومعصوب العينين ويتوسط مجندتين إسرائيليتين في صورة نشرت عبر حساب منسوب لمجندة على موقع "فيسبوك".
لحظة اللقاء الرقمي
يستذكر أحمد الدريملي (26 عاما)، شقيقه، لحظة اكتشاف الخيط الأول لمصير أخيه، ويروي لصحيفة "فلسطين" تفاصيل تلك اللحظة الفارقة قائلا: "تعرفت على أخي وأنا أقلب مواقع التواصل الاجتماعي على "فيسبوك"، شاهدت صورة للمجندة الإسرائيلية وبجانبها أخي مكبل اليدين ومعصوب العينين، من لحظتها اعتقدت أنني أحلم، وحاولت التقرب أكثر من الصورة وتأكدت تماما بأنه أخي وبسرعة توجهت إلى والدي".
يواصل أحمد وصف تلك المشاعر القاسية: "لقد كانت لحظات لا تصدق، فالفرحة بعودته حيا اختلطت بصدمة رؤيته مقيدا، وبات صوت تلك الصورة يتردد في أذني طوال الوقت، وكأننا نعيش فصلا جديدا من القلق الممزوج بالأمل على مصيره المجهول".
والده عطا الله الدريملي (54 عاما) يقول متأثرا: "لم نتمالك أنفسنا منذ اللحظة الأولى وسرعان ما تعرفنا عليه، وحمدنا ربنا أنه على قيد الحياة، بعد أن سلمنا أمرنا إلى الله طيلة الفترة الماضية واعتقدنا بأنه استشهد خلال محاولة العودة إلى مدينة غزة هربا من جحيم النزوح".
لمحة عابرة
وعلى صعيد حدس الأمومة، لم تستغرق عايدة الدريملي (50 عاما) سوى لمحة عابرة لتستقر في يقينها قناعة راسخة بأن ذلك الشاب المقيد والمعصوب العينين هو ابنها محمود، فوحشة الفراق وملامح القلب الساكنة في الذاكرة غلبت كل شكوك الظن.
وتلخص الوالدة مشاعر تلك اللحظة الجارحة لـ"فلسطين" قائلة: "حين وقعت عيني على الصورة، اختلطت في صدري مشارف الموت بالحياة، وأيقنت بأن ابني حي يرزق، لكن في ذات الوقت انشطر فؤادي وأنا أراه مقيد الأطراف ومعصوب العينين! إنه منظر يعتصر له قلب كل أم ربت وسهرت وتعبت، لترى ثمرة فؤادها في هذا الحال القاسي الصعب".
تابعت: "الحمد لله الذي أعاد لقلبي الأمل بأن محمود حي وسيعود إلى أهله وناسه، وأن الظلم لن يطول وسيكسر القيد وينكسر السجان، وثقتنا بالله كبيرة".
وتعود تفاصيل المأساة إلى الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين حاول محمود شق طريق العودة من جنوب القطاع إلى شماله هاربا من جحيم النزوح القسري، لتبتلعه ساحات المجهول وتنقطع أخباره تماما، تاركا خلفه زوجة شابة لم يمض على زواجهما سوى أشهر معدودة، تلحفت ثوب الانتظار المرير معلقة الآمال على أي خبر ينهي كابوس الفراق المبكر.
هذا الفراق الممزوج بالقلق دفع العائلة لخوض فصول معاناة طويلة بحثا عن بصيص أمل، متنقلين بلا كلل بين أروقة المستشفيات وثلاجات الشهداء مجهولي الهوية، وطارقين أبواب مؤسسات حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويوضح الأب أن الصورة التي ظهرت في التاسع والعشرين من يوليو/ تموز الماضي مثلت "أول دليل مادي" على بقاء نجله على قيد الحياة تحت طائلة الاعتقال، لكنه استدرك متحسرا: "هذه الصورة لم تمنحنا السلام، بل ضاعفت من هواجسنا وخوفنا الكبير حول ظروف احتجازه ومكان وجوده الغامض، فرحلتنا مع القلق لم تنته بعد".
نداء إنساني عاجل
وفي رسالة إنسانية، جدد الوالد صرخته للمجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان، مؤكدا براءة نجله بالقول: "ابني شاب أعزل في ريعان شبابه، ليس له أي ميول سياسية على الإطلاق، هو شاب يحب الحياة".
وعلى هذا الأساس، وجه نداء وصرخة إنسانية مدوية إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية الدولية، داعيا إياها للتدخل الفوري والعاجل للضغط على سلطات الاحتلال لكشف مكان احتجاز ابنه محمود، وضمان توفير العلاج والرعاية له، وتمكين العائلة والمحامين من زيارته والاطمئنان عليه حسب ما نص عليه القانون الدولي والإنساني.
ويبقى السؤال المفتوح على مصراعيه يلاحق الضمير الإنساني: "كم من محمود في هذا القطاع ما زالت آثارهم مفقودة خلف سواتر الغموض والتعنت الإسرائيلي، بانتظار إماطة اللثام عن مصائرهم المجهولة؟