قائمة الموقع

منذ 7 أشهر.. فيصل ينتظر استعادة خطواته بعدما سرقت الحرب طفولته

2026-08-08T11:15:00+03:00
الطفل فيصل محمد بربخ (6 سنوات) ينتظر منذ 120 السفر للعلاج بالخارج
فلسطين أون لاين

لم يعد الطفل فيصل محمد بربخ (6 سنوات) يعرف العالم إلا من زاوية واحدة؛ مستلقياً على ظهره داخل خيمة نزوح قسري في خانيونس، يراقب الحياة وهي تمضي من حوله دون أن يستطيع اللحاق بها.

فمنذ أكثر من سبعة أشهر، يرقد بلا حراك بعد إصابة بالغة في العمود الفقري وكسور متعددة في فقرات الظهر، بينما ينتظر عملية جراحية وعلاجاً متخصصاً يؤكد الأطباء أنه غير متوفر في قطاع غزة.

في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت دقائق قليلة كفيلة بأن تغيّر حياة الأسرة إلى الأبد، فقد أدى سقوط جدار بفعل الانفجارات الناتجة عن القصف الإسرائيلي إلى إصابة فيصل إصابة خطيرة، في حين استشهدت شقيقته إيلاف التي كانت تجلس إلى جواره.


 

يستعيد الطفل تفاصيل ذلك اليوم بصوت خافت لا يشبه أصوات الأطفال في عمره، يقول لصحيفة "فلسطين": “طاحت علينا الحيطة… أختي استشهدت”، قبل أن يضيف وهو يشير إلى موضع إصابته: “رجلي والعمود الفقري بيوجعوني”.

لكن الألم الجسدي ليس أكثر ما يثقل قلبه، فأكثر ما يتمناه اليوم يبدو بسيطاً بالنسبة لأي طفل آخر؛ أن يمشي، وأن يجري، وأن يعود إلى المدرسة، وأن يلعب كرة القدم مع أصدقائه.

يقول فيصل: “نفسي أمشي وألعب زي الأولاد، ولما أمشي أروح على المدرسة وأدرس… نفسي أجري… وألعب كورة”. ويؤكد أنه كان يمارس كرة القدم قبل الإصابة، أما اليوم فيقضي أيامه كلها مستلقياً على ظهره، غير قادر حتى على استخدام دورة المياه، إذ تعتمد الأسرة على زجاجات للتبول وحفاضات لقضاء حاجاته اليومية.

حرمان من الدراسة

داخل الخيمة، أصبحت والدته ترافقه في كل تفصيل من تفاصيل يومه، فمنذ إصابته، لم يعد يغادر فراشه إلا نادراً، وحتى تلك المحاولات تتطلب جهداً مضاعفاً.

تقول والدته: “ابني نايم 24 ساعة على 24 ساعة، لا بطلع من الخيمة، ولا بيروح على الحمام، حتى لما بدنا نطلعه يشوف الولاد، أنا وأبوه بنشيله مع الفرشة".

وتضيف بحسرة أن فيصل كان يستعد لدخول الصف الأول الابتدائي هذا العام، لكن الإصابة حرمته من الدراسة، “كان من المتفوقين، وكان هو وأخته يحفظوا الحروف العربية والإنجليزية، وحفظوا خمس سور من القرآن استعداداً للصلاة، لكن اليوم فقد كل هذا".

وتوضح أن الأطباء شددوا على ضرورة بقائه مستلقياً على ظهره، مع تغيير وضعيته بحذر شديد، لأن أي حركة خاطئة قد تزيد حالته سوءاً، كما يتلقى علاجاً وقائياً لمنع حدوث جلطات أو تقرحات فراش، إذ إن ظهور أي تقرحات قد يعقد فرص إجراء العملية الجراحية مستقبلاً.


 

وبالرغم من قسوة الإصابة، ترى الأم أن ما بعد العملية لا يقل صعوبة عنها، فحتى لو أجريت الجراحة داخل غزة، فإن متطلبات التأهيل والأجهزة الطبية والرعاية اللاحقة غير متوفرة في ظل الواقع الصحي المنهك، لذلك تتمسك الأسرة بأمل السفر للعلاج خارج القطاع.

وتقول: “أمنيتي إنه نسافر، ويعمل العملية، ونطلع من غزة وهو نايم، ونرجع وهو بيمشي".

أما والده، فلا يزال يعيش صدمة فقدان ابنته، وفي الوقت نفسه يشاهد ابنه الوحيد يصارع الألم كل يوم، يقول إن الطفل أُصيب عندما سقط الجدار فوقه وأخته في أثناء جلوسهما معاً، مضيفاً: “إيلاف استشهدت، وظل هو أملي ووحيدي في هذه الدنيا".

ويصف الأب المشهد الذي يرافقه يومياً قائلاً: “كنت أرجع من شغلي ألاقيه هو وأخته مستنييني في الشارع عشان يجروا عليّ… اليوم لمين أرجع؟”.

ويشير إلى أن تحويلة فيصل الطبية صدرت منذ الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني، إلا أن الأسرة لا تزال تنتظر موعداً للسفر منذ أكثر من 120 يوماً، في حين يواصل الطفل الاستلقاء في المكان نفسه.


 

ويناشد الأب المؤسسات المعنية بإجلاء المرضى، خاصة الأطفال، بتوسيع أعداد المسافرين للعلاج، قائلاً إن الانتظار الطويل قد يحرم كثيرين من فرصة إنقاذهم في الوقت المناسب.

وبين حرارة الصيف القاسية داخل خيمة النزوح، وغياب العلاج المتخصص، وصوت الأطفال الذين يركضون خارجها، يقضي فيصل أيامه وهو يتمسك بحلم واحد لا يفارقه، فعندما يُسأل عن أمنيته، لا يتردد في الإجابة بكلمات قليلة تختصر طفولة كاملة علقتها الحرب بين سرير المرض وباب مدرسة لم يصل إليه بعد: “نفسي أسافر وأتعالج… ونفسي أمشي".

اخبار ذات صلة