فلسطين أون لاين

"رفح الإنسانية".. مدينة الموت

تزخر الساحة السياسية الفلسطينية بالكثير من المقترحات والمشاريع التي تدعي حرصها على وقف إطلاق النار، وأبرزها يأتي من الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بصفتهما من يتحكمان بزمام أمور المنطقة، بمنطق القوة لا بقوة المنطق، ويبقى مطلوباً من بقية أعضاء المسرح السياسي التفاعل معهما وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية.

ومن ضمن ما تم طرحه "مدينة رفح الإنسانية" التي يدعى الاحتلال بناءها رغبة وحرصا منه على السماح لأهالي رفح بالعودة لها، وإزاء فكرة المشروع انقسمت الآراء لرأيين، فأنصار الرأي الأول يرون أنها خيال غير قابلة للتحقيق، وأنها تأتي في سياق الضغط والمناكفة للتهرب من دفع استحقاقات وقف إطلاق النار، وإلهاء الناس وإشغالهم وزيادة النقمة الشعبية على المقاومة، وهم بعدم اكتراثهم واقتناعهم يرفضون مجرد مناقشتها والوقوف عند أبعادها وكيفية الاستعداد لها ومواجهتها، في حين يرى أنصار الرأي الثاني أنها فكرة قد تحدث وتدخل حيز التنفيذ كبداية تجريبية لتعميمها إن نجحت على بقية مدن القطاع، فأخذوا الفكرة على محمل الجد، وعقدوا ورشات عمل ولقاءات لمناقشة كيفية التعاطي معها. 

وبغض النظر عن مدى صدق أي رأي، فالتجارب مع الاحتلال تُوجب علينا الاستعداد لكل شيء، فالاستعداد مع عدم الحدوث، أفضل من الندم على عدم الاستعداد حين حدوث الفعل، لذا أميل لفكرة ضرورة التعاطي مع الفكرة بمنتهى الجدية ليس إعجاباً واقتناعاً وترويجاً لها بقدر ما يجب علينا التحذير منها، وتنبيه الجميع من خطورة التعاطي معها، وبخاصة أنها تحمل مصطلح "الإنسانية" الذي هو من حيث المبدأ مصطلحٌ لطيف، لكنه سياسياً يحمل في طياته مخاطر ويوجه رسائل لكثيرين.

ولعل أبرز رسائل إسرائيل من خلال تلك الفكرة هي: رسالة للخارج بأن إسرائيل تريد إسكان المواطنين في مدينة جديدة تحمل معالم المدن الحديثة بصبغة إنسانية توفر احتياجات المواطن الفلسطيني، ورسالة للمجتمع الإسرائيلي بأننا نقيم هذه المدينة وفق رؤية جديدة تقوم على الأمن، فهي لن تشكل بيئة معادية أو مهددة لأمنكم وسنزود الناس فيها للبقاء أحياء لكن بلا إرادة، أجساد بلا أرواح، ورسالة للوسطاء بأننا نسعى لوقف إطلاق النار وإنهاء معاناة غزة، ولكن العائق هو حماس،  ورسالة لأهل غزة بأننا نبني لكم مدينة إنسانية خالية من أي شيء قد يعكر صفو حياتكم بعدما تخلصنا من "الإرهابيين" الذين كانوا سبباً في تدميرها ومعاناتكم.

لا شك أن طرح الاحتلال لأي مشروع لا يكون من باب الترف، بل له أهداف وغايات يسعى لتحقيقها، ويمكن القول إن غايات الاحتلال من طرح فكرة "مدينة رفح الإنسانية" كثيرة، منها: امتصاص الغضب الشعبي العالمي المتعاطف مع غزة، بذريعة أن أهل غزة سكنوا في بيوت مناسبة إنسانياً، فلا داعي لبقائكم في ميادين التضامن، خلق فجوة في رؤية الشعب الفلسطيني تجاهها، ما بين راغب بالعودة لرفح وفق الشروط الإسرائيلية، وبين رافض، وهذا قد يسبب حدوث مشكلات بين العائلة الواحدة، فقد يرغب بعضها بالعودة، والآخر يرفض لدواعٍ خاصة به، واجراء تجربة ميدانية عملية، فإن نجحت يمكن تعميمها، وقياس رد فعل المجتمع الدولي والجهات الرسمية الفلسطينية.

ولو طُبقت الفكرة سيكون لها آثار سلبية منها: انعدام الخصوصية الشخصية للمواطن؛ لأن كل أقواله وأفعاله ستكون تحت الرقابة المستمرة، وحرمان المواطنين من ملكيتهم الخاصة، فهل يُعقل أن المواطن الذي كان يملك مساحة شاسعة من الأرض سيسكن في بيت أقل من مساحة أرضه بكثير، ويُحرم من بنائها كما يريد، ولا يمكن لمن يدخلها أن يخرج منها؟

واجبنا تجاه الفكرة:
المطلوب منا لنواجه تلك الفكرة، إظهار الآثار السلبية للعودة وفق الرؤية الإسرائيلية، وتعزيز الشعور الوطني عند الجميع بعدم التساوق معها، وعدم الانجرار خلف دعاوى الاحتلال بأن الحياة فيها ستكون وردية، وتوفير مقومات الصمود لدى الناس لتحفيزهم على عدم التساوق معها، ونشر الوعي بين الشباب عبر مواقع التواصل، وتجريم الفعل، وتنظيم دورات تدريبية داخل المخيمات، كل عائلة تقوم بواجبها من خلال كبارها، وعلى المرأة دور مهم في توعية أبنائها.

ختاماً: إن ما نقوله لا يعني أننا نرغب ببقاء واقعنا المعيشي سيئا كما هو، بل التأكيد واجب أن الاحتلال لا يفكر فيما يخدم شعبنا ويريحه، بل لا يدخر جهداً في إيذاء شعبنا قولاً وفعلاً.

المصدر / فلسطين أون لاين