فلسطين أون لاين

غزة ومجلس السلام الموهوم

أعرف تمام المعرفة أن الأهل في غزة بجميع مستوياتهم العمرية، وتوجهاتهم السياسية، وتخصصاتهم المهنية والثقافية، يصعب عليهم أن يسمعوا كلمة "اصبروا"؛ لأنهم صبروا، وتحملوا، وثبتوا، وعانوا. صبر أهل غزة صبراً تنوء عن حمله الجبال الرواسي، وثبتوا ثباتاً يُسجَّل في صفحات المعجزات، وتحملوا ما لم تتحمله الصخور الصم في قلب الصحارى.

وجاءت لحظات الحقيقة منذ بدايات الطوفان ليدرك شعبنا أن حرب الخذلان عليه كانت أعتى وأقسى من حرب النيران. وجاءت المبادرة الترامبية مع كل ما فيها من انحياز أعمى للظالم المحتل الغاصب والمعتدي، وأُفرج عن أسرى الاحتلال من خلالها أملًا في وقف الإجرام الذي طال كل شيء وكل أحد، أملًا في أن يعيش الناس حياة الإنسان الحر الكريم. ولكن الانحياز الأعمى أغمض عيني قلبه، بعد أن عطل عيني رأسه، عن مجازر المجرمين وعدوانهم.

واستمرت المجازر، وكذب الجميع على الجميع أن هناك وقفا لإطلاق النار. كل الذين حضروا في شرم الشيخ واحتفلوا بوقف المذبحة، فإما خُدعوا وإما شاركوا في الكذبة الكبيرة التي تجسدت حقيقتها أمام العالم بأسره.

وتشكل المجلس الذي انتظر إنجازاته الشعب الذي يعيش تحت المقصلة؛ "مجلس السلام"، ووُضع على رأسه رجل متشبّع بالصهيونية، قد شغفه نتنياهو حباً وعشقاً، ومنذ اللحظات الأولى وهو يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويفخر من خلاله.

(مجلس السلام)... ويقبل المفاوض الفلسطيني -بعد معركة تفاوضية طاحنة أثبت فيها أنه حريص على الشعب كل الشعب، وعلى الوطن كل الوطن، وعلى الحاضر والمستقبل- ووافق في النهاية على مسألة السلاح التي تعتبر من أعقد المسائل وأكثرها أهمية، لكنها ليست أغلى من رجال غزة، ولا نسائها، ولا أطفالها، ولا أجنتها الذين ينتهك هذا العدو حرمتهم في كل يوم.

وانتظرنا مجلس السلام ليتخذ قراراً قوياً في تنفيذ ما وافق عليه هو، وما سعى له هو، وما ألحّ في طلبه هو، وما صاغ كلمات الاتفاق وحروفه هو بنفسه ومعه الوسطاء. ولكن، وبمجرد أن نطق المجرم ورَفَضَ، لَهِثَ خَلفَهُ مجلس السلام برئيسه وأعضائه مرددين ما نطق به رأس الإجرام نتنياهو. فسقط المجلس وغرق في وهم نفسه أنه إنما تشكّل للسلام.

وعن أي سلام تتحدثون وأنتم تبررون -وما زلتم- للقتل، والتجويع، والحصار، والحرمان من كل أسباب الحياة؟ عن أي مجلس سلام تتحدثون وأنتم ترتعد فرائصكم كالطائر المبلول في الشتاء البارد بين يدي أسيادكم؟ لم يحسب مجلس السلام الموهوم أنه الآن يقدم دليلاً واضحاً لكل متابع، فلسطينياً كان، أو عربياً، أو إسلامياً، أو غربياً، أنه موجه بالكامل لخدمة السيد من العبد، يذل نفسه من أجل رضا أسياده. مجلس جاء تحت شعار "حماية المدنيين"، وإذا به يحمي القتلة والمجرمين.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.

المصدر / فلسطين أون لاين