في كل مرة يحاول فيها محمد الفسفوس أن يقف، تمتد إليه يد والدته قبل أن يمد قدميه الصغيرتين إلى الأرض. لا يحتاج الطفل، الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، إلى لعبة جديدة بقدر حاجته إلى من يسانده في خطواته الأولى كل صباح.
يقف لحظات، ثم يتحرك ببطء، في حين يسبق انتفاخ بطنه جسده النحيل، لتبدأ رحلة يوم جديد يشبه ما سبقه من أيام.
تراقبه والدته بصمت، ثم تعود ببصرها إلى صور قديمة تحتفظ بها في هاتفها. في تلك الصور يبدو محمد طفلاً عادياً، يبتسم، ويلهو، ولا يحمل جسده أي ملامح لما يعيشه اليوم.
لم يكن المرض، كما تقول لصحيفة "فلسطين"، سوى مشكلة بسيطة في كلية واحدة مع توسع في الحالب، اكتُشفت عندما كان في عامه الأول والنصف. يومها، كانت الأسرة تلتزم بالمراجعات الدورية، ولم يخبرها الأطباء أن طفلها مقبل على رحلة طويلة من المعاناة.
تقول والدة محمد الفسفوس: «وُلد محمد ولادة طبيعية، وكانت حالته جيدة. وبعد عام ونصف اكتشف الأطباء وجود مشكلة بسيطة في كلية واحدة مع توسع في الحالب، وأبلغونا أنها تحتاج إلى متابعة دورية، ولم تكن تشكل خطراً كبيراً».
كانت الزيارات الطبية تسير بصورة طبيعية، قبل أن تتوقف فجأة مع اندلاع الحرب، وما رافقها من نزوح وتعطل للخدمات الصحية.
وتضيف: «خلال الحرب بدأ بطن محمد يكبر تدريجياً، ولم أكن أفهم ما الذي يحدث له. لم نجد عيادات نستطيع مراجعتها، ولا مستشفيات يمكن أن تتابع حالته، فبقي فترة طويلة من دون متابعة طبية».
ومع استمرار النزوح، لم تعد أولوية الأسرة تقتصر على متابعة طفلها، بل أصبحت منشغلة بتأمين أبسط مقومات الحياة. وبين البحث عن مأوى، وتأمين الماء والطعام، ظل محمد يكبر، في حين كانت معاناته تكبر معه.
وبعد أن تمكنت الأسرة من إجراء فحوصات طبية عقب عودتها إلى مدينة غزة، حملت النتائج ما لم تكن تتوقعه.
وتتابع: «أظهرت الفحوصات إصابته بتضخم في الكبد، إلى جانب استمرار المشكلة في الكلية، ومنذ ذلك الوقت ونحن نبحث عن علاج».
ومنذ ذلك اليوم، تحولت رحلة الأسرة إلى تنقل بين العيادات والمستشفيات، بحثاً عن إجابة مختلفة، إلا أن الرد ظل واحداً.
وتقول: «نجري الفحوصات كلما استطعنا، لكن الأطباء يؤكدون أن العلاج غير متوفر داخل قطاع غزة».
عناية خاصة
هذا الواقع الصحي لم يحرم محمد من العلاج فحسب، بل جعل حتى المشكلات الصحية الأخرى أكثر تعقيداً.
فالطفل يعاني لحمية في الأنف، تسبب له صعوبة في التنفس، خصوصاً خلال ساعات الليل، ويحتاج إلى تدخل جراحي، إلا أن حالته الصحية تجعل إجراء التخدير أمراً بالغ الحساسية.
وتضيف: «يختنق أثناء النوم بسبب اللحمية، وهو بحاجة إلى عملية، لكن وضعه الصحي يجعل الأطباء مترددين في إجراء التخدير».
وبالرغم من أنه لا يزال يمشي، فإشن خطواته لم تعد تشبه خطوات الأطفال في عمره.
وتقول: «لا يستطيع الحركة لمسافات طويلة، ويحتاج أحياناً إلى من يساعده على الوقوف، كما أن نطقه أصبح أضعف من السابق».
ولا يخفي انتفاخ بطنه ما يتركه المرض من أثر في تفاصيل يومه، فحتى طعامه يحتاج إلى عناية خاصة.
وتوضح: «محمد يحتاج إلى غذاء يعتمد على الخضروات والطعام المسلوق أو المشوي، بينما تزيد الأطعمة الدسمة أو كثيرة التوابل من معاناته».
لكن توفير هذا الطعام ليس بالأمر اليسير في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها الأسرة.
وتقول: «في كثير من الأيام نشتري احتياجاتنا بالدين، ورغم ذلك نحاول أن نوفر له ما يناسب حالته قدر استطاعتنا».
ولم يكن قبولها بالحديث إلى وسائل الإعلام قراراً سهلاً.
ففي البداية، رفضت أن يُصوَّر طفلها، إذ كانت ترى أن المرض يكفيه، ولا تريد أن يصبح وجعه معروضاً أمام الناس.
وتقول: «كان يؤلمني أن أرى ابني أمام الكاميرا، لكنني وافقت لأنني شعرت أن حكايته ربما تصل إلى من يستطيع مساعدته».
ولا تخفي والدة محمد أن أكبر أمنياتها اليوم هي أن يحصل طفلها على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، بعدما أبلغها الأطباء أن العلاج الذي يحتاجه غير متوفر داخل القطاع.
وتناشد الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية التدخل العاجل لإنقاذ حالته، قائلة: «لا أريد أكثر من أن يحصل محمد على فرصة للعلاج. كل ما أتمناه أن يجد مكاناً يتلقى فيه الرعاية التي يحتاجها، قبل أن تتفاقم حالته أكثر».
وبينما تنهي حديثها، يعود محمد ليناديها، فتقطع كلماتها وتمضي نحوه على عجل، كما تفعل عشرات المرات كل يوم.
وتجسد حكاية محمد معاناة آلاف المرضى في غزة في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الدواء والمستلزمات الطبية وتقييد سفر المرضى للعلاج في الخارج في إطار حرب الإبادة.
لا تطلب والدة محمد معجزة، ولا تبحث عن أكثر من فرصة علاج تعيد لطفلها ما فقده من طفولته. وبين صورة قديمة يظهر فيها محمد يركض بلا عناء، وصورته اليوم وهو يستند إلى يد أمه كي يقف، تختصر الأسرة رحلة سنوات أثقلها المرض، وأوقفتها الحرب عند محطة انتظار لا تعرف متى تنتهي.