قائمة الموقع

فارس عفانة.. مسعف يودّع ابنه ويواصل إنقاذ الأرواح تحت النار

2026-08-05T13:19:00+03:00
فارس عفانة.. مسعف يودّع ابنه ويواصل إنقاذ الأرواح تحت النار
فلسطين أون لاين

في كل مرة كان فارس عفانة، يغادر بسيارة الإسعاف، كان يودع زملاءه كما لو أنها المهمة الأخيرة.

ولم يكن يعرف إن كان سيعود حيًا، لكنه كان يدرك أن هناك جريحًا ينتظر النجاة، حتى بعد استشهاد نجله المسعف "براء"، لم يغادر الميدان، بل عاد إلى عمله مؤمنًا بأن إنقاذ الأرواح رسالة لا تتوقف رغم الفقد والخطر.

وعمِل عفانة، مسؤولًا للإسعاف والطوارئ في شمال قطاع غزة، وشهد منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على القطاع، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما يصفه بـ"الاستهداف المنهجي" للمنظومة الصحية، مؤكدًا أن الطواقم الطبية لم تعد تتمتع بالحماية التي يكفلها القانون الدولي، بل أصبحت هدفًا مباشرًا للقصف والاعتقال.

وقال: إن المستشفيات وسيارات الإسعاف تعرضت لتدمير واسع، بينما قُتل وأصيب واعتُقل عشرات الأطباء والمسعفين خلال أداء واجبهم الإنساني، في وقت كان فيه القطاع بأمس الحاجة إلى خدماتهم.

مجزرة تل السلطان

ومن أكثر المشاهد إيلامًا بالنسبة إليه، مجزرة تل السلطان في رفح يوم 23 مارس/آذار 2025، عندما استشهد 19 من أفراد الإسعاف والدفاع المدني أثناء توجههم لإنقاذ مصابين، قبل أن تُدفن جثامينهم ومركباتهم تحت الرمال، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.

وأكد أن تلك المجزرة لم تكن حادثة معزولة، بل امتدادًا لسلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت الطواقم الطبية، موضحًا أن سيارات الإسعاف التي تحمل الشارة الطبية لم تعد توفر أي حماية، بل أصبحت هدفًا للقصف أثناء استجابتها لنداءات الاستغاثة.

وتوقف صوته للحظات عندما يتحدث عن ابنه "براء"، الذي استشهد في التاسع من يونيو/حزيران 2025 مع اثنين من زملائه وصحفي، إثر استهداف مباشر في حي التفاح شرقي مدينة غزة.

وقال : "كان فقدانه أصعب لحظة في حياتي، لكنه استشهد وهو يؤدي واجبه الإنساني، عدت إلى عملي لأنني شعرت أن رسالته يجب أن تستمر، وأن إنقاذ حياة الآخرين هو أفضل وفاء له".

طفلة هند رجب

وأضاف: أن أفراد الطواقم الطبية اعتادوا توديع بعضهم قبل كل مهمة، خاصة في المناطق القريبة من تمركز القوات الإسرائيلية، لأن احتمال العودة كان دائمًا محل شك.

ولا تغيب عن ذاكرته أيضًا قصة الطفلة هند رجب، التي بقيت محاصرة داخل مركبة مع أفراد من عائلتها، فيما تعرض طاقم إسعاف الهلال الأحمر، الذي كان متجهًا لإنقاذها بعد تنسيق مسبق، للاستهداف المباشر، ليستشهد المسعفون وتحترق مركبتهم بالكامل.
واعتبر المسعف عفانة، أن هذه الحادثة عكست حجم المخاطر التي تواجهها الطواقم الطبية، حتى عندما تكون تحركاتها منسقة عبر جهات دولية.

ولا تقتصر معاناة العاملين في القطاع الصحي، بحسب عفانة، على الاستهداف الميداني، بل تمتد إلى الاعتقال، حيث اعتُقل عدد كبير من الأطباء والمسعفين من داخل المستشفيات، بينهم مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية، إلى جانب آخرين ما زالوا رهن الاحتجاز.

وأشار إلى أن شهادات معتقلين أُفرج عنهم تحدثت عن تعرض الطواقم الطبية للتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والعزل الانفرادي، معربًا عن قلقه على زملائه الذين ما زالوا في السجون، ومن بينهم المسعف ماهر العجرمي، بعد ورود إفادات عن تعرضه لتعذيب شديد.


استهداف طواقم الإسعاف

واستعاد المسعف عفانة، حادثة استهداف طاقم إسعاف في عزبة بيت حانون شمال القطاع، عندما تعرضت سيارتهم للقصف أثناء نقل شهداء وجرحى، ما أدى إلى استشهاد المسعفين خالد عابد وحسين مطر وإصابة نبيل صقر بجروح خطيرة.

ورأى عفانة، أن استهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف شكّل جزءًا من محاولة إفراغ شمال قطاع غزة من سكانه، موضحًا أن استمرار عمل المرافق الصحية كان أحد أهم أسباب صمود الأهالي وبقائهم في مناطقهم.

وخلال ما عُرف بـ"خطة الجنرالات"، اضطر هو وزملاؤه إلى ترك سيارات الإسعاف تحت تهديد السلاح، بعدما مُنعوا من استخدامها، لتتحول عربات تجرها الحيوانات وأكتاف المواطنين إلى الوسيلة الوحيدة لنقل الجرحى، رغم تعرضها أيضًا للاستهداف.

ورغم فقدان زملائه وابنه، واستمرار المخاطر اليومية، يؤكد المسعف عفانة، أن من نجا من القتل أو خرج من الاعتقال عاد مباشرة إلى عمله، لأن آلاف المرضى والجرحى يعتمدون على استمرار خدمات الإسعاف.

ويختتم حديثه بمناشدة، المجتمع الدولي توفير الحماية للطواقم الطبية، ومحاسبة المسؤولين عن استهدافها، والعمل على إدخال سيارات الإسعاف وقطع الغيار والمستلزمات الطبية، محذرًا من أن استمرار الحصار يهدد بانهيار ما تبقى من منظومة الإسعاف، ويضاعف معاناة المدنيين في قطاع غزة.

اخبار ذات صلة