يعلّق المواطنون في قطاع غزة آمالًا كبيرة على بدء تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، أملاً في إحداث تحولات جذرية في واقعهم المعيشي الذي تدهور بشكل غير مسبوق خلال سنوات حرب الإبادة وما سبقها من أزمات متراكمة.
ويأتي ملف الكهرباء في صدارة الأولويات التي ينتظر المواطنون حلها عاجلا، نظرًا لتأثيره المباشر في مختلف مناحي الحياة، مع ما خلفه الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي من تداعيات طالت الأسر والمؤسسات والقطاعات الحيوية.
فقد أدى انقطاع الكهرباء إلى شلل واسع في الحياة اليومية، حيث تأثرت الخدمات الطبية والاقتصادية، وتعطلت محطات ضخ مياه الشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي وتحلية مياه البحر، ما فاقم من الأزمة الإنسانية في القطاع.
ومع استمرار الأزمة، يروي المواطن أبو أحمد عاشور، وهو أب لخمسة أطفال، معاناته قائلاً: "نعيش في ظلام شبه دائم، لا نستطيع تشغيل الأجهزة الأساسية، وحتى المياه لا تصلنا إلا بصعوبة. الأطفال يعانون الحر.
ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن أوضاعه المادية لا تمكنه من شراء الكهرباء من الشركات أو المبادرات الخاصة، موضحًا أن سعر الكيلوواط الواحد يتراوح بين 25 إلى 30 شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرته في ظل انعدام فرص العمل.
ويشير إلى أنه يضطر لشحن البطاريات التي يمتلكها مقابل مبالغ بسيطة أو أحيانًا مجانا في بعض المدارس أو العيادات التابعة لوكالة الغوث، ويستخدمها فقط لإنارة منزله خلال فترات محدودة من الليل.
تأثر القطاع الخاص
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على المواطنين، بل امتدت لتضرب القطاع الخاص، حيث يقول صاحب مصنع خياطة فادي عابد: "خلال الحرب، توقف عملنا بشكل شبه كامل بسبب انقطاع الكهرباء".
ويوضح عابد لصحيفة "فلسطين" أنه مع حدوث بعض الانفراجة بعد وقف إطلاق النار، عاد المصنع للعمل جزئيا، لكنه يضطر لشراء الكهرباء من شركات خاصة بتكلفة مرتفعة جدًا، ويحاول الاعتماد على البطاريات لتشغيل جزء من ماكينات الخياطة، إلا أن ارتفاع التكلفة يزيد من أعباء الإنتاج ويضعه في منافسة غير متكافئة مع المنتجات المستوردة.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف التشغيل يضطره إلى رفع أسعار منتجاته في وقت يعاني المواطنون من ظروف اقتصادية صعبة، مؤكدًا أن توفير الكهرباء بشكل مستقر يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار عمل المصانع، قائلاً: "بدون كهرباء، لا يمكننا العمل أو الاستمرار".
عجز مزمن
وقبل اندلاع الحرب، كان قطاع غزة يعاني أصلًا من عجز مزمن في الكهرباء، حيث اعتمد على مصادر محدودة لتلبية احتياجاته. وكانت الخطوط الإسرائيلية تشكل المصدر الأكبر، بقدرة تُقدّر بنحو 120 ميغاواط، فيما كانت الخطوط المصرية تغذي المناطق الجنوبية، خاصة محافظة رفح، بما يتراوح بين 20 إلى 30 ميغاواط.
كما اعتمد القطاع على محطة توليد الكهرباء المحلية التي كانت تسهم بنحو 60 إلى 80 ميغاواط وفق توفر الوقود، إضافة إلى أنظمة الطاقة الشمسية التي شكلت مصدرًا مساعدًا للأسر والمؤسسات.
ورغم تعدد هذه المصادر، فإن إجمالي الكهرباء المتوفرة قبل الحرب لم يكن يتجاوز 200 إلى 250 ميغاواط، في وقت كانت فيه حاجة القطاع الفعلية تتراوح بين 400 و500 ميغاواط، وترتفع في أوقات الذروة إلى نحو 600 ميغاواط، ما أبقى غزة لسنوات في دائرة عجز كهربائي مزمن.
انهيار المنظومة
ومع اندلاع الحرب، انهارت هذه المنظومة بشكل كامل، بعد توقف خطوط الإمداد الخارجية ومنع إدخال الوقود اللازم لتشغيل محطة التوليد، ما أدى إلى خروج المحطة عن الخدمة وتحول القطاع إلى حالة انقطاع شبه شامل للكهرباء.
ولم يقتصر أثر الحرب على توقف مصادر الطاقة، بل طال التدمير الواسع البنية التحتية لشبكة الكهرباء. ووفق بيانات شركة توزيع كهرباء غزة، فقد تجاوزت الخسائر التي لحقت بقطاع الكهرباء 728 مليون دولار، نتيجة الأضرار الكبيرة التي طالت الشبكات والمنشآت والمعدات.
وبحسب بيانات الشركة، تعرض نحو 70 بالمائة من شبكات الكهرباء للتدمير، فيما طال الضرر أكثر من 80 بالمئة من مكونات قطاع الكهرباء، إضافة إلى تدمير نحو 70 بالمئة من مباني الشركة، وقرابة 90 بالمئة من مخازنها، إلى جانب أضرار لحقت بما بين 80 و90 بالمئة من الآليات والمعدات التشغيلية.
كما تعرضت البنية التحتية للشبكة لأضرار كبيرة، شملت تدمير أكثر من 5000 كيلومتر من شبكات الكهرباء ونحو 2200 محول كهربائي، ما جعل إعادة تشغيل المنظومة بحاجة إلى جهود واسعة لإعادة تأهيل الشبكات وتوفير المعدات اللازمة.
أولى الأولويات
من جانبه، يؤكد المختص في شؤون الطاقة م. فتحي الشيخ خليل أن حل أزمة الكهرباء يجب أن يكون "أولى الأولويات" في المرحلة المقبلة، مشددًا على ضرورة إعادة تزويد القطاع بالكهرباء من الداخل المحتل كما كان سابقًا بقدرة تقارب 120 ميغاواط، واستئناف الإمداد من الجانب المصري بنحو 30 ميغاواط، إلى جانب السماح بإدخال الوقود لتشغيل محطة التوليد.
ويدعو الشيخ خليل بالتوازي إلى دعم انتشار أنظمة الطاقة الشمسية، مطالبًا المؤسسات والجمعيات الخيرية بإدراج الألواح الشمسية والبطاريات ضمن المساعدات المقدمة للمواطنين، وفق احتياجات الأسر المختلفة، باعتبارها حلولًا مساندة للتخفيف من الأزمة وتعزيز قدرة السكان على توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم الكهربائية.
ويشير إلى أن الحرب دمرت مشروع كامل لتزويد قطاع غزة بالطاقة البديلة من أشعة الشمس في منطقة "خزاعة"، جنوب شرق خانيونس كان يمتد على مساحة 24 دونمًا، وكان يُعد من المشاريع الرائدة في مجال الطاقة المتجددة في غزة.
ويبين الشيخ خليل أن تكلفة المشروع بلغت قرابة 2 مليون دولار و كان من المقرر أن يوفّر يوميًا 2 ميغاواط من الكهرباء تُضخ إلى شبكة توزيع الكهرباء في القطاع.
وبين آمال المواطنين بعودة التيار الكهربائي، وحجم الدمار الذي طال منظومة الطاقة، يبقى ملف الكهرباء أحد أبرز الاختبارات أمام أي مرحلة جديدة، إذ إن استعادة هذا القطاع لا تعني إنارة المنازل فحسب، بل تمثل خطوة أساسية لإحياء الخدمات الأساسية ودفع عجلة التعافي في قطاع غزة.