فلسطين أون لاين

البحر المنفذ الوحيد لسكان غزة هربًا من الصيف والحرب

في حرب أنهكت الإنسان والحجر، ووسط صيفٍ حارق يفاقم معاناة السكان مع انقطاع الكهرباء وشح الخدمات الأساسية، أصبح شاطئ بحر غزة المتنفس الوحيد لمئات الآلاف من المواطنين. فالذهاب إلى البحر لم يعد رفاهية أو نشاطًا ترفيهيًا، بل تحول إلى حاجة إنسانية ونفسية واجتماعية، توفر ساعات قليلة من الراحة بعيدًا عن ضجيج الحرب، وأجواء النزوح، وحرارة الخيام والمنازل المتضررة.

اقتصاديًا، يمثل البحر أحد الأصول الطبيعية القليلة التي ما زالت قادرة على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي في قطاع غزة، ولو بحدودها الدنيا. فخلال موسم الصيف، تنشط عشرات المشاريع الصغيرة المرتبطة بالشاطئ، مثل الأكشاك، والمقاهي البسيطة، وباعة المثلجات والعصائر، وتأجير الكراسي والمظلات، إضافة إلى الصيادين الذين يعتمدون على البحر مصدرًا رئيسيًا للدخل. وتوفر هذه الأنشطة فرص عمل مؤقتة للشباب والأسر التي فقدت مصادر رزقها بسبب الحرب.

كما ينعكس الإقبال على البحر في زيادة الطلب على السلع والخدمات، الأمر الذي يخلق حركة تجارية محدودة تنعش الأسواق المجاورة، وتدعم أصحاب المشاريع الصغيرة، وتسهم في تدوير جزء من السيولة داخل الاقتصاد المحلي. ورغم تواضع هذه الدورة الاقتصادية، فإنها تكتسب أهمية كبيرة في اقتصاد يعاني من ركود حاد، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وانخفاض القدرة الشرائية.

وفي الوقت نفسه، يعكس اعتماد سكان غزة على البحر كخيار شبه وحيد للترفيه حجم الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية المجتمعية. فقد دمرت الحرب أو عطلت العديد من الحدائق والمنتزهات والمرافق السياحية والرياضية، لتصبح الواجهة البحرية المساحة العامة الوحيدة التي تستقبل الجميع دون تكلفة تذكر.

ولو توفرت بيئة مستقرة، فإن ساحل غزة يمتلك مقومات اقتصادية واعدة ضمن ما يعرف بالاقتصاد الأزرق، من خلال تطوير السياحة الساحلية، وتنمية قطاع الصيد، وإنشاء مشاريع استثمارية وترفيهية، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة الدخل المحلي. إلا أن استمرار الحرب والقيود المفروضة على القطاع يحولان دون استثمار هذه الإمكانات بالشكل المطلوب.

إن البحر في غزة لم يعد مجرد امتداد جغرافي يطل على البحر الأبيض المتوسط، بل أصبح مساحة للحياة، ونافذة للأمل، وصمام أمان نفسي واقتصادي لسكان أنهكتهم سنوات الحصار والحرب. وبين أمواجه، يحاول الغزيون استعادة شيء من حياتهم الطبيعية، بينما يثبت الاقتصاد المحلي، رغم هشاشته، قدرته على التكيف والصمود حتى في أكثر الظروف قسوة. ويبقى البحر شاهدًا على أن الإنسان الفلسطيني لا يزال يبحث عن الحياة، ويخلق من أبسط الموارد فرصة للاستمرار والأمل.

المصدر / فلسطين أون لاين