بعد مضي ما يقارب ثلاث سنوات على حرب الإبادة الجماعية، تُركت غزة وحدها لتواجه آلة الإبادة، أمام ترسانة عسكرية عالمية بيد إسرائيلية، وبدعم لا محدود من الولايات المتحدة الأمريكية.
إن ذنب غزة الوحيد أنها انتفضت في وجه احتلال يغتصب الأرض وينتهك العرض، ولا يترك مجالاً لنهضة الأمة العربية أو الإسلامية، فهو خنجرٌ مغروز في قلب الأمة ويحاول إجهاض أي مشروع للنهضة فيها.
في ظل هذا الخذلان، عملت الفصائل الفلسطينية بكل ما تستطيع لوقف الإبادة وحقن دماء أبناء الشعب في غزة، فاستمرت المفاوضات طوال فترة الحرب تقريباً، بالرغم من تعنت الاحتلال واستمراره في سياسة التجويع والقتل.
وبعد جولات متتالية من المفاوضات غير المباشرة بوساطة مصر وقطر وتركيا، وافقت الفصائل الفلسطينية على خطة متكاملة قدمها "مجلس السلام"، لإنهاء حرب الإبادة على غزة، بعد تقديم الفصائل ملاحظتها.
إلا أن ترامب حاول اختزال الاتفاق كله في مسألة السلاح، والظهور بمظهر من "أجبر فصائل المقاومة على التخلي عن سلاحها" وكأنه حقق إنجازاً سياسياً أمام الرأي العام الأمريكي.
لكن الواقع على خلاف ما يروج له، فتنص الخطة المتفق عليها بوضوح على حصر السلاح الثقيل فقط، وتخزينه تحت إشراف جهة فلسطينية متفق عليها، دون تسليمه للاحتلال الإسرائيلي.
كما تنص الخطة المتفق عليها أن السلاح سيكون في عهدة جهة فلسطينية... وألا يسلم إلى أي طرف آخر، وبمراقبة ومتابعة من الدول الوسيطة، وممثل عن قوة الاستقرار الدولية التابعة "لمجلس السلام".
كما أن الاتفاق لا يقتصر على ملف السلاح وحده، بل هو جزء من خطة متكاملة، من أهم بنودها هو انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، ودخول لجنة التكنوقراط للقطاع تمهيدا للبدء بإعادة الإعمار.
ومن الواضح أن الهدف الأول للفصائل الفلسطينية من قبول الخطة، هو سد الذرائع أمام مجلس السلام، ووضع الدول العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها، وعدم ترك أي مبررات لاستمرار الإبادة تحت عنوان السلاح.
إن الفصائل الفلسطينية لم توافق على حصر السلاح دون مقابل، فقد صرح د. غازي حمد، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، أن هناك خمسة شروط للبدء بتنفيذ خطة حصر السلاح، ودون تنفيذها لن تقوم الفصائل بأي خطوة، وهي:
1. تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بشكل كامل، والتي تتضمن تنفيذ البروتوكول الإنساني الذي ينص على إدخال 600 شاحنة يوميا، منها 50 شاحنة محروقات.
2. انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة.
3. تفكيك المليشيات المسلحة والعصابات العميلة التي تعمل داخل الخط الأصفر بأمر من جيش الاحتلال.
4. دخول لجنة التكنوقراط لتولي إدارة غزة، والبدء بخطة إعادة الإعمار.
5. دخول القوات الدولية للإشراف وضمان التنفيذ.
وتنص الخطة المتفق عليها كذلك على أن العملية "ستتم على مراحل ووفق جدول زمني مرتبط بشكل أساسي بانسحاب إسرائيل والتزامها بتنفيذ ما عليها من بنود".
وقد فاجأت مرونة الفصائل الفلسطينية في التعامل مع خطة الانتقال إلى المرحلة الثانية القيادة الإسرائيلية، فإسرائيل لم تتوقع موافقة حماس، بل كانت تعد الخطط لمزيد من البطش بغزة، بذريعة عدم موافقة الفصائل الفلسطينية على الخطة المقدمة، وهو ما وضع نتنياهو في مأزق بعد أن قدم رؤية مغايرة للرئيس ترامب على أساس رفض الفصائل للاتفاق.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أمنية قولها:
"صدمة في إسرائيل من مرونة حماس بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية، وفق مصادر أمنية، نتنياهو لم يتوقع موافقة حماس، وقدم رؤية على هذا الأساس للرئيس ترامب، وهو الآن في مأزق."
أعتقد أنه في حال إلزام الاحتلال بتنفيذ ما عليه من التزامات وفق الخطة التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية، تكون الفصائل قد حققت متطلبات المرحلة التي ينادي بها كل مكونات الشعب في غزة، وأهمها وقف شلال الدم وفتح المجال للإعمار.
ومن المؤكد أن حصر السلاح الثقيل وتخزينه لا يعني نهاية المقاومة الفلسطينية، فالمقاومة تتعدد أساليبها ووسائلها وفق متطلبات كل مرحلة، وسيبقى العمل المقاوم بكل أشكاله، حق مكفول للشعب الفلسطيني المحتل ولو اختلفت الاساليب.
إن الأولوية الأولى في هذه المرحلة، والتي يتفق عليها الجميع، هي وقف الإبادة ومعالجة آثارها، فغزة خرجت من الحرب مدمرة، ومعظم سكانها بلا مأوى بعد عامين من القصف؛ ومن هذا المنطلق انطلقت الفصائل في الموافقة على بند حصر السلاح، مقابل وقف حرب الابادة وإعادة الإعمار ورفع الحصار.
إن الظروف التي جرى فيها هذا الاتفاق لن تبقى قدراً محتوماً على الشعب الفلسطيني، فملامح تغير موازين القوى العالمية والإقليمية بدأت تظهر، وخاصة ما أظهرته الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران من تراجع قدرة الولايات المتحدة على حسم المعركة، وهز سيطرتها البحرية من خلال إغلاق مضيق هرمز.