على مدار المباحثات السياسية الجارية في القاهرة صُوّرت قضية سلاح المقاومة كـ"عقدة" أمام الانتقال للمرحلة الثانية، إذ ربطت الإدارة الأمريكية التي تبنت رؤية الاحتلال كل الملفات كالإعمار والقوات الدولية وإدخال اللجنة الإدارية بقضية ما سمته "نزع" سلاح المقاومة، في مخالفة لاتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار.
وعلى مدار مباحثات سياسية، لم تكن جولات المباحثات في القاهرة مجرد جولات تفاوض بالمعنى التقليدي، كما يرى مراقبون، بل معركة سياسية لتحديد مصير القطاع ومستقبله الأمني والسياسي، فقد سعى الاحتلال وواشنطن ومن خلفهم أطراف عربية وفلسطينية لفرض صيغ تهدئة مقابل الاستسلام.
في المقابل تحدت المقاومة ذلك بمحاولة الوصول لمقاربة حتى بموضوع السلاح الثقيل نفسه، تحافظ على المبادئ وتؤدي إلى الانتقال للمرحلة الثانية، وتجنب شعبها الدخول في جولة إبادة جديدة في ضوء حالة تصعيد تزامنت مع جولات التفاوض، كان الاحتلال يضغط بها على الوفد المفاوض.
موافقة مشروطة
ووفق بيان نشرته حركة حماس، أكدت أن الموافقة على إدراج ملف السلاح الثقيل في إطار الاتفاق قد ربطت واشترطت بوقف جميع أشكال العدوان والانسحاب من قطاع غزة، وتحقيق التعافي المبكر، ودخول اللجنة الإدارية، وانتشار قوات الحماية الدولية، وحل العصابات المسلحة والمليشيات التي شكلها الاحتلال، وإعادة الإعمار، وضمن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحماية حقوق المواطنين.
وأكد عضو الوفد المفاوض في حركة حماس د. غازي حمد، أن الحركة وافقت على اتفاق من رزمة كاملة يشمل انسحاب الاحتلال من غزة والإعمار وانتشار قوة دولية وتسلم اللجنة الوطنية مهامها، مشيرا للتوافق على مبادئ عامة وبعد ذلك ستكون هناك جولة محادثات أخرى لوضع آليات وجداول زمنية للتنفيذ.
وأوضح أن الاتفاق ينص على تخزين السلاح الثقيل تحت مسؤولية اللجنة الوطنية بعد تنفيذ الاحتلال التزاماتها، وأن تنفيذ ترتيبات السلاح مشروط بتنفيذ الاحتلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
بدوره، قال عضو المكتب السياسي لحماس د. باسم نعيم: إن "الحركة وافقت على خارطة الطريقة بنسختها الأخيرة بعد معركة تفاوضية شرسة، خاضتها بصبر وصمود شعبنا، إذ اجتهد الجميع في المساحة بين منع عودة الحرب والحفاظ على مشروعنا الاستراتيجي"، مؤكدا، أن الكرة في ملعب الاحتلال ليفي بالتزاماته حسب الاتفاق.
خطوات متبادلة
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أن مسودة الاتفاق تعكس إدارة أزمة بمنطق تقليل الخسائر بعد حرب استنزفت القطاع بشريا وماديا وليست تخليا عن فكرة المقاومة، مع التركيز على أن الاتفاق يقوم على التدرج عبر خطوات متبادلة وآليات تحقق دولية لتجنب سيناريو طرح ملف السلاح الثقيل دون تحقيق مكاسب سياسية وأمنية.
وأكد الحاج لصحيفة "فلسطين" أن الأهم أن السلاح لا يسلم للاحتلال أو جهات أخرى غير فلسطينية وإنما يخزن في غزة. مشيرا إلى إدراك مسبق بأن الاحتلال لم يلتزم بأي اتفاقات وخاصة المرحلة الأولى وهذه عادته دائما في التنصل وإعادة تفسير البنود بما يخدم مصالحه، وهذا يضع كل اتفاق مقبل على المحك.
ورأى أن الانتقال للمرحلة الثانية حاليا بجلب قوات دولية تكمن أهميته في مستويات متعددة، أولا: إنسانيا، إذ تشكل انسحابا تدريجيا لقوات الاحتلال وعودة المدنيين وبدء إعمار القطاع وبالتالي دفن فكرة التهجير التي سعى لها الاحتلال، أما سياسيا كنقل إدارة غزة إلى جهة مدنية محلية، وإشراف القوات الدولية على إجراءات الرقابة، معبرا عن خشيته أن تكون هذه القوات عرضة لفقدان فعاليتها كما حدث في تجارب سابقة مثل اليونيفيل إن لم تكن تمتلك صلاحيات رادعة.
ولفت إلى أن تصريح حماس الأخير يعيد تقديم الملف المتعلق بالسلاح الثقيل باعتباره جزءا من حزمة سياسية شاملة.
وقال: إن "ربط البحث في موضوع السلاح الثقيل بسلسلة من الشروط تبدأ بوقف العدوان والانسحاب، ولا تنتهي إلا بضمان حقوق الشعب الفلسطيني تجعل من السلاح وفقا لهذا الطرح ورقة تفاوض مرتبطة باستحقاقات سياسية ولا يعد تنازلا".
وشدد على أن التحدي الحقيقي يبقى في مدى استعداد الاحتلال للالتزام بذلك، صاحب سجل طويل من التنصل من الاتفاقات وإعادة تفسيرها بما يخدم مصالحه، وهذا ما يجعل الفجوة لا تزال واسعة بين ما يطرح سياسيا وما يمكن تنفيذه.