تشهد الأوساط الشعبية والاقتصادية في قطاع غزة حالة من الترقب والأمل لتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف حرب الإبادة لتسريع عملية إعادة إعمار المنازل والمنشآت التي دمرها الاحتلال، بعد ثلاث سنوات من العيش في ظروف قاسية بين الخيام والعراء.
وأكد متضررون في أحاديث لصحيفة "فلسطين" أن الأولوية القصوى في المرحلة الحالية تتمثل في البدء الفوري بعمليات الإعمار دون تأخير أو تعقيدات إجرائية، مشددين على ضرورة وجود خطط زمنية واضحة تضمن إعادة بناء الوحدات السكنية المدمرة في أقرب وقت ممكن.
ودعا مواطنون الدول المانحة العربية والدولية إلى توجيه دعمها المالي مباشرة نحو قطاع الإسكان وإعادة الإعمار، عادين أن المرحلة تتطلب تدفقات مالية عاجلة لإنعاش الاقتصاد المحلي وتحريك قطاع الإنشاءات، الذي يعد من أبرز محركات النمو والتشغيل.
وأشاروا إلى الحاجة الملحة للعمل على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في إدخال حلول إسكانية مؤقتة أكثر ملاءمة، مثل الكرفانات، بدلًا من الخيام التي لم تعد صالحة للعيش على المدى الطويل، فيما يتركز المسار الثاني على تسريع إعادة بناء المنازل والشقق السكنية المدمرة.
كما طالب المتضررون بصرف التعويضات المالية المستحقة لهم، لما لها من دور أساسي في تمكينهم من إعادة بناء مساكنهم وتحريك عجلة الاقتصاد، عبر زيادة الطلب على مواد البناء والخدمات المرتبطة بقطاع التشييد.
وقال المواطن سامح الخواص إن منزل عائلته المكوّن من أربعة طوابق أصبح غير صالح للسكن، بعد أن تسببت سلطات الاحتلال في إلحاق أضرار جسيمة به، شملت تفريغ أجزاء كبيرة من بنيته وتدمير الجدران والأعمدة الأساسية.
وأوضح الخواص لصحيفة "فلسطين" أن الدمار أدى إلى نزوح أكثر من 25 فردًا كانوا يقطنون المنزل، حيث توزّعوا بين السكن في الخيام، أو لدى أقارب، فيما اضطر البعض للإقامة في حواصل، في ظل ظروف معيشية قاسية.
وأضاف أن الحياة باتت شديدة الصعوبة، لا سيما مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار الأمراض بين الأطفال، مؤكدًا أنهم يعيشون حالة من الترقب وانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع، على أمل تسريع عمليات الإعمار وتمكينهم من العودة إلى منازلهم.
إعادة إعمار حقيقية
من جهته، أكد م. نبيل أبو معيلق، رئيس اتحاد المقاولين السابق، أن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية يتطلب إجراءات عملية على الأرض، في مقدمتها تسهيل دخول الآليات والمعدات اللازمة لعمل شركات المقاولات، التي تعرضت لخسائر كبيرة خلال الحرب.
وأشار أبو معيلق لصحيفة "فلسطين" إلى أن شركات المقاولات الفلسطينية تمتلك القدرة والخبرة للمشاركة بفعالية في جهود إعادة الإعمار، إلا أنها بحاجة ماسة إلى الدعم وتوفير الإمكانيات، خاصة في ظل ما تعرضت له من أضرار، وفقدان العديد من العمال لوظائفهم.
ودعا إلى الإسراع في إدخال المعدات والآليات الثقيلة، بما يتيح لهذه الشركات استئناف عملها والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب، مؤكدًا أهمية تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره في إنعاش الاقتصاد المحلي.
كما طالب بصرف التعويضات المالية للقطاع الخاص بشكل عام، ولشركات المقاولات على وجه الخصوص، لما لذلك من دور حيوي في إعادة تشغيل هذا القطاع واستعادة قدرته الإنتاجية، بما ينعكس إيجابًا على عملية الإعمار وتسريع وتيرتها.
خطة طارئة
ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح عملية إعادة الإعمار من شأنه أن ينعكس إيجابًا على معدلات التشغيل، ويُسهم في تنشيط الأسواق المحلية، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بسرعة الاستجابة الدولية، وتوفر التمويل الكافي، إلى جانب وجود آليات تنفيذ فعالة وشفافة.
وأكد الخبير الاقتصادي د. وليد الجدي أن ملف إعادة الإعمار في قطاع غزة يعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، مشيراً إلى أن التقديرات المحلية الصادرة عن الجهات المختصة، ومنها وزارة الحكم المحلي ووزارة الأشغال، تشير إلى أن عملية الإعمار قد تستغرق ما بين 10 إلى 14 عاماً، ما يعني امتدادها حتى عام 2040.
وأوضح الجدي لصحيفة "فلسطين" أن البدء في تنفيذ خطة الإعمار الشامل يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في استمرار الأزمة الإنسانية الحادة التي يعيشها السكان، مؤكداً أنه من الصعب الشروع في إعادة الإعمار دون معالجة هذه الأزمة أولاً.
وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون لوضع خطة طارئة لإغاثة المواطنين، أو على الأقل السير في مسارين متوازيين يجمعان بين الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن خطة الإعمار المرتقبة يجب أن تشمل 13 قطاعاً اقتصادياً رئيسياً، من بينها: الصحة، التعليم، البنية التحتية، المياه، البيئة، الاتصالات، الكهرباء، السياحة، الزراعة، الطاقة، والصناعة، لافتاً إلى أن جميع هذه القطاعات ترتبط بشكل مباشر بالقطاع الإنشائي الذي يمس حياة المواطن الأساسية، وعلى رأسها توفير السكن الملائم.
وفي هذا السياق، شدد الجدي على الحاجة الملحة لإطلاق خطة طارئة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وفي مقدمتها السكن البديل، لدعم صمود المواطنين.
وبيّن أن هذه الخطة قد تستغرق نحو أربع سنوات، تبدأ بإزالة ما يقارب 70 مليون طن من الركام، وتنتهي بتوفير مساكن مؤقتة مثل الكرفانات المجهزة.
وأضاف أن هذه المرحلة تندرج ضمن ما يعرف بالتعافي المبكر، الذي يجب أن يسبق أي عملية إعمار شاملة.
أثر إيجابي
وأوضح أن التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار تبلغ نحو 150 مليار دولار كحد أولي، وهو ما يتطلب توفير ضمانات دولية وإقليمية، إضافة إلى تأمين التمويل اللازم من الدول والجهات الداعمة. كما لفت الجدي إلى الحاجة لخارطة طريق واضحة لإعادة الإعمار حتى الآن.
ومن الناحية الاقتصادية، توقع الجدي أن يكون لخطة الإعمار الشامل أثر إيجابي كبير على الاقتصاد الفلسطيني، من خلال تنشيط الأسواق، وتوفير فرص العمل، وكسر احتكار السلع، وتحسين توفرها. وأشار إلى أن المواطن قد يلمس تحسناً اقتصادياً خلال ستة أشهر من بدء تنفيذ الخطة، في حال توفرت الإمكانات.
وأكد أن التساؤل الأهم يبقى حول استمرار مخيمات الإيواء للنازحين طوال فترة الإعمار، وهو ما ستكشف عنه تطورات المرحلة الأولى خلال العام المقبل، معرباً عن أمله في انتهاء الحرب والدمار، وأن ينعم المواطن بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة.
والجمعة، قالت حركة المقاومة الإسلامية حماس، إنها والفصائل، تعاملوا بمسؤولية وإيجابية مع العملية التفاوضية ومقترحات الوسطاء لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، مشددة على ضرورة تطبيق الاحتلال التزاماته.
وشددت الحركة في بيان، على أن التزام الاحتلال بوقف العدوان هو المدخل الأساسي للشروع في وضع الجدول الزمني للتوافقات، مشددة على أن تنفيذ المرحلة الثانية مرهون بالتزام الاحتلال الكامل ببنود المرحلة الأولى.
كما أعلن ما يعرف بمجلس السلام عن بنود خارطة طريق لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة.
وتشمل البنود، التزام (إسرائيل) باستكمال التزاماتها كاملة بموجب بروتوكول شرم الشيخ دون تأخير، وإعداد الجدول الزمني وآليات تنفيذ خارطة الطريق خلال 14 يوما من موافقة الأطراف عليها.
وبعد الانتهاء من الجدول الزمني ستدخل اللجنة الوطنية إلى القطاع وتبدأ تولي مسؤولياتها، وسيكون الانتقال من مرحلة إلى التالية مشروطا بالتحقق من استكمال المرحلة السابقة، وفق ما نشره المجلس.
ويبقى أمل الغزيين معلقًا على تنفيذ المرحلة الثانية، وتحويل الوعود بإعادة الإعمار إلى خطوات عملية تنهي معاناتهم، وسط حاجة ملحّة للتمويل والآليات الواضحة لضمان عودتهم إلى منازلهم.