تتجه الأنظار مجددًا إلى مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعد تأكيد الوفد الفلسطيني المفاوض، موافقته على مقترح الوسطاء لاستكمال مراحل الاتفاق، بالتزامن مع إعلان ما يعرف بـ"مجلس السلام" خريطة طريق تتضمن الانتقال إلى المرحلة الثانية، والتي تشمل انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، إلى جانب ترتيبات أمنية.
ورغم الحراك السياسي والدبلوماسي المتواصل، يثار تساؤل جوهري حول مدى استعداد سلطات الاحتلال للالتزام بتطبيق الاتفاق، في ظل التعقيدات السياسية الداخلية، وتباين مواقف القوى الدولية، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأرض.
وأعلن "مجلس السلام" مؤخرًا خريطة طريق تنص على إعداد جدول زمني لتنفيذ المرحلة الثانية خلال أسبوعين من موافقة الأطراف، مع دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وانتقال أسلحة الشرطة إليها، بالتوازي مع التزام الاحتلال بوقف عملياتها العسكرية، فيما أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس موافقتها على مقترح الوسطاء لاستكمال مراحل الاتفاق.
ضغوط فعلية
ورأى أستاذ تسوية النزاعات الإقليمية والدولية والخبير في الشؤون الإسرائيلية علي الأعور، أن موافقة حركة حماس على مسودة الاتفاق، بما تتضمنه من ترتيبات تتعلق بتخزين السلاح الثقيل بأيد فلسطينية، تمثل خطوة سياسية غير مسبوقة تهدف إلى حماية الفلسطينيين وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في القطاع.
واعتبر الأعور، في حديث لصحيفة "فلسطين" أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الموقف الفلسطيني، وإنما في مدى استعداد حكومة الاحتلال لتنفيذ التزاماتها، مشيرًا إلى أن نجاح الاتفاق يعتمد بصورة كبيرة على قدرة الإدارة الأمريكية، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على ممارسة ضغوط فعلية على رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، لدفعه نحو تنفيذ الانسحاب بالتوازي مع تنفيذ بقية بنود الاتفاق.
وذكر أن الحسابات السياسية الداخلية للاحتلال، تمثل العقبة الأكبر أمام تنفيذ الاتفاق، موضحًا أن نتنياهو، يواجه انتخابات مصيرية، الأمر الذي يدفعه إلى تجنب أي خطوة قد يستغلها خصومه السياسيون، وخاصة قوى اليمين واليمين المتطرف، باعتبارها تنازلًا للفلسطينيين.
تمسك إسرائيلي بالخيارات العسكرية
وأضاف الأعور أن المؤشرات الحالية لا تعكس وجود نية إسرائيلية حقيقية لتنفيذ الاتفاق، سواء فيما يتعلق بالسماح بدخول قوات المراقبة الدولية أو اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، معتبرًا أن استمرار الخطاب السياسي الإسرائيلي يؤكد تمسك الحكومة الحالية بخياراتها العسكرية.
وتابع: المنافسة الانتخابية داخل دولة الاحتلال، والصراع بين أحزاب اليمين واليمين المتطرف حول قضايا الاستيطان والأمن، تجعل الانسحاب من غزة، قبل الانتخابات أمرًا بالغ الصعوبة، لافتًا إلى أن أي تحول جوهري قد يرتبط بتغير المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الانتخابات.
ضمانات حقيقية
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي سامي الشاعر، أن فرص التزام (إسرائيل) باستكمال اتفاق وقف إطلاق النار لا ترتبط فقط بمسار المفاوضات، وإنما تتأثر أيضًا باعتبارات سياسية وإقليمية ودولية معقدة، وفي مقدمتها طبيعة الموقف الأمريكي والأوروبي من حكومة الاحتلال.
وقال الشاعر لصحيفة "فلسطين": إن العديد من الدول الغربية تحاول الموازنة بين دعمها لجهود التهدئة والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها السياسية مع سلطات الاحتلال، وهو ما يجعل الضغوط الممارسة على حكومة الاحتلال غير كافية لإجبارها على تنفيذ جميع مراحل الاتفاق وفق الجدول الزمني المعلن.
وأضاف: أن هذه المعادلة تجعل الفلسطينيين يفتقرون إلى ضمانات حقيقية تكفل استمرار وقف إطلاق النار أو الانتقال السلس إلى المرحلة الثانية، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدت تعثرًا متكررًا في تنفيذ الاتفاقات.
وأشار الشاعر، إلى أن مستقبل الاتفاق يبقى مرتبطًا أيضًا بالتطورات الإقليمية، موضحًا أن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بملف غزة، بينما يسهم انخفاض التوتر الإقليمي في توفير مساحة أكبر لاستمرار الجهود الدبلوماسية.
ولفت إلى أن الاتصالات بين الوسطاء لم تتوقف خلال الفترة الماضية، وأن الحراك السياسي استمر بصورة متواصلة، إلا أن تراجع حدة التوتر الإقليمي منح المفاوضات زخمًا إضافيًا لإحياء المرحلة الثانية من الاتفاق.
وحول السيناريوهات المتوقعة، رأى الشاعر، أن سلطات الاحتلال قد تلجأ إلى إبطاء تنفيذ التزاماتها، بما يبقي حالة الجمود السياسي قائمة، ويزيد احتمالات التصعيد الميداني أو تنفيذ عمليات عسكرية جديدة، دون الوصول إلى انهيار كامل للمفاوضات.
وفي المقابل، رجح استمرار الضغوط الأمريكية والدولية على (إسرائيل) خاصة بعد اعتبار الاتفاق إنجازًا سياسيًا من جانب الإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار تنفيذ الاتفاق، لكن بصورة تدريجية وبطيئة نتيجة التعقيدات السياسية والخلافات القائمة بين الأطراف.
أبرز العقبات
فيما قال الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني: إن فرص نجاح الاتفاق ما تزال قائمة، لكنها تبقى محدودة، وترتبط بمدى قدرة الوسطاء على توفير ضمانات وآليات رقابة تضمن تنفيذ التعهدات المتبادلة.
وأضاف مسلماني لصحيفة "فلسطين": سلطات الاحتلال تحاول استثمار المفاوضات لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية، سواء من خلال تحسين شروطها التفاوضية أو استكمال بعض أهدافها العسكرية، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب تحميلها مسؤولية انهيار المفاوضات أمام المجتمع الدولي.
وتابع: أن مصر وقطر تواصلان أداء دور الوسيط المباشر، فيما تظل الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيرًا على القرار الإسرائيلي، لافتًا إلى أن فرص نجاح الاتفاق ترتفع كلما توفرت ضمانات واضحة وآليات متابعة دولية فعالة.
وأوضح أن أي تصعيد ميداني أو خروقات جديدة قد تهدد الاتفاق، في حين أن استمرار الهدوء، وتدفق المساعدات الإنسانية، وتحسين الظروف المعيشية، يعزز فرص الانتقال إلى المرحلة الثانية، ويمهد لبدء إعادة الإعمار وعودة مظاهر الحياة الطبيعية.
وشدد على أن الوضع الإنساني في غزة، يمثل عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاتفاق، إذ يؤدي تأخير دخول المساعدات واستمرار معاناة المدنيين إلى تعقيد المشهد، وإضعاف فرص تثبيت وقف إطلاق النار.
وخلص مسلماني، إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار المفاوضات مع الحفاظ على تهدئة هشة، في ظل سعي جميع الأطراف لتحسين شروطها السياسية قبل الانتقال الكامل إلى المرحلة التالية، بينما يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بالتطورات السياسية والميدانية، ومدى التزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
والجمعة، قالت حركة المقاومة الإسلامية حماس، إنها والفصائل، تعاملوا بمسؤولية وإيجابية مع العملية التفاوضية ومقترحات الوسطاء لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، مشددة على ضرورة تطبيق الاحتلال التزاماته.
وشددت الحركة في بيان، على أن التزام الاحتلال بوقف العدوان هو المدخل الأساسي للشروع في وضع الجدول الزمني للتوافقات، مشددة على أن تنفيذ المرحلة الثانية مرهون بالتزام الاحتلال الكامل ببنود المرحلة الأولى.
كما أعلن ما يعرف بمجلس السلام عن بنود خارطة طريق لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة.
وتشمل البنود، التزام (إسرائيل) باستكمال التزاماتها كاملة بموجب بروتوكول شرم الشيخ دون تأخير، وإعداد الجدول الزمني وآليات تنفيذ خارطة الطريق خلال 14 يوما من موافقة الأطراف عليها.
وبعد الانتهاء من الجدول الزمني ستدخل اللجنة الوطنية إلى القطاع وتبدأ تولي مسؤولياتها، وسيكون الانتقال من مرحلة إلى التالية مشروطا بالتحقق من استكمال المرحلة السابقة، وفق ما نشره المجلس.
ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 فإن الاحتلال يواصل خروقاته ما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى وتدمير المزيد من المنازل وحرق خيام نازحين بمن فيها وتوسيع ما يسمى "الخط الأصفر" بالقوة العسكرية، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية وسفر المرضى.
ويعيش أهالي قطاع غزة، أوضاعًا إنسانية غير مسبوقة، إذ يقيم مئات آلاف الفلسطينيين في الخيام ومراكز الإيواء بعد تدمير منازلهم أو تضررها بشكل واسع، فيما أدى استمرار الحرب إلى تدمير معظم البنية التحتية، وتسجيل عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، الأمر الذي يجعل أي تقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار يمثل بارقة أمل للغزيين.

