تتصدر إعادة تأهيل قوارب الصيد المدمّرة، وتوفير المعدات الأساسية، وضمان الوصول الآمن إلى مناطق الصيد، قائمة المطالب العاجلة لإنقاذ قطاع الصيد والثروة السمكية في قطاع غزة، إلى جانب دعم الوقود، وإعادة بناء الموانئ، وتطوير سلاسل التبريد والتخزين، وتقديم تعويضات مباشرة للصيادين.
كما تشمل مطالب الصيادين والنقابيين، إطلاق برامج تشغيل مؤقتة، وتوفير التمويل الميسر والتأمين، ودعم الاستزراع السمكي، وتعزيز قدرات الصيادين، وصولًا إلى إعداد خطة وطنية شاملة لتعافي القطاع ضمن جهود الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار.
وتأتي هذه المطالب في واقع اقتصادي وإنساني معقد يعيشه القطاع بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة، التي خلّفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية وأثّرت تأثيرا مباشرا في مصادر رزق آلاف العاملين في مهنة الصيد.
مغامرة محفوفة بالمخاطر
يقول أبو سعيد البشيتي، وهو صياد من وسط قطاع غزة، إن المهنة التي ورثها عن آبائه وأجداده لم تعد كما كانت، بل تحولت إلى مغامرة محفوفة بالخسارة.
ويضيف لصحيفة "فلسطين": "قبل الحرب كنا نخرج يوميًا تقريبًا ونعود بما يكفي لإعالة أسرنا، أما اليوم فنخرج أحيانًا ولا نغطي حتى تكلفة العمل".
ويتابع: "القوارب التي كانت عماد عملنا دُمّرت أو تضررت بشكل كبير، ومن بقي منها يعمل بإمكانيات محدودة، ونحتاج بشكل عاجل إلى محركات وقطع غيار، فمن دونها لا يمكننا الاستمرار".
ويشير إلى أن المخاطر لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد إلى سلامتهم الشخصية، موضحًا أن ملاحقة الصيادين في البحر تحدّ من قدرتهم على الوصول إلى مناطق الصيد الغنية، وتجبرهم على العمل في مساحات ضيقة وفقيرة بالأسماك.
ويضيف: "حتى معدات الصيد لم تعد متوفرة كما كانت، الشباك تالفة أو باهظة الثمن، وأجهزة الملاحة شبه مفقودة، وهذا يزيد من صعوبة العمل ويقلل من الإنتاج".
غياب الدعم
من جهته، يقول الصياد محمد الهسي إن الأزمة لم تعد تقتصر على تدمير القوارب، بل طالت كل تفاصيل العمل اليومي.
ويوضح لفلسطين: "تكلفة الرحلة الواحدة ارتفعت بشكل كبير بسبب أسعار الوقود، وأحيانًا نصرف كل ما نملك لنخرج إلى البحر، ثم نعود بعائد لا يغطي المصاريف".
ويضيف أن كثيرًا من الصيادين اضطروا إلى تقليص عدد رحلاتهم أو التوقف عن العمل بشكل مؤقت، والبحث عن أعمال أخرى لتأمين لقمة العيش.
ويقول: "هناك من يعمل في مهن شاقة أو مؤقتة فقط ليتمكن من إعالة أسرته، لأن الصيد لم يعد كافيًا".
ويشير إلى أن غياب الدعم يزيد من تعقيد المشهد، مؤكدًا أن الصيادين بحاجة إلى تدخلات عاجلة تشمل تعويضات مالية ومنح مباشرة، إضافة إلى برامج تشغيل مؤقتة تساعدهم على الصمود خلال هذه المرحلة.
خسائر فادحة
من جانبه، يؤكد نقيب الصيادين نزار عياش أن قطاع الصيد تكبّد خسائر فادحة تجاوزت 75 مليون دولار، نتيجة التدمير الواسع الذي طال الموانئ والبنية التحتية البحرية.
ويوضح لصحيفة "فلسطين" أن الحرب أدت إلى تدمير كامل لميناءي شمال غزة والميناء الرئيس، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بموانئ الوسط والجنوب، ما تسبب في شلل شبه كامل لنشاط الصيد ومنع آلاف الصيادين من مزاولة مهنتهم.
ويشير إلى أن القوارب ومعدات الصيد والمخازن تعرضت للتدمير، فضلًا عن فقدان أدوات الملاحة والاتصال، الأمر الذي جعل عودة الصيادين إلى البحر أمرًا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية.
ويشدد عياش على أن إنقاذ القطاع يتطلب خطة شاملة تبدأ بإعادة تأهيل موانئ الصيد ومراكز إنزال الأسماك ومرافق الفرز والتعبئة، إلى جانب إعادة إنشاء مصانع الثلج وغرف التبريد وتطوير سلاسل التبريد.
وفي الجانب الاقتصادي، يدعو إلى توفير التمويل الميسر والتأمين على القوارب والمعدات، بما يضمن استدامة النشاط السمكي، مؤكدًا أن دعم مشاريع الاستزراع السمكي يمثل خيارًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن الغذائي.
كما يلفت إلى أهمية الاستثمار في بناء قدرات الصيادين، ودعم الجمعيات والتعاونيات السمكية، إلى جانب التوجه نحو استخدام الطاقة الشمسية لتقليل تكاليف التشغيل، وإنشاء نظام معلومات متكامل يدعم التخطيط واتخاذ القرار.
خطط إنعاش مبكر
ويؤكد عياش أن قيود الاحتلال لا تزال تفرض واقعًا معقدًا، حيث يُجبر الصيادون على العمل ضمن نطاقات بحرية ضيقة وبإمكانات محدودة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وتعميق الأزمة المعيشية.
ويحذر من أن استمرار انهيار القطاع يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي، ويسهم في تفاقم معدلات الفقر والبطالة في قطاع غزة، الذي يعاني أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة.
ويرى أن إدماج قطاع الصيد ضمن خطط الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار يمثل ضرورة ملحّة، نظرًا لدوره في توفير فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي.
وحسب وزارة الزراعة كان معدل إنتاج الأسماك في غزة قبل الحرب كان يتجاوز 5 آلاف طن سنويًا، إضافة إلى نحو 600 طن من إنتاج المزارع السمكية، ولفتت إلى أن القطاع كان يضم قرابة 6 آلاف صياد نشط، إلى جانب مئات العمال في المرافئ والمزارع السمكية، وتعتمد آلاف الأسر على هذا النشاط كمصدر رزق رئيسي.