في زيارته الأخيرة لطهران خلال تنصيب الرئيس الإيراني الجديد قال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس القائد الشهيد إسماعيل هنية للمرشد الإيراني "إذا غاب سيد، قام سيد" كانت هذه آخر الكلمات التي قالها قبل اغتياله بساعات في مقر إقامته المؤقت في طهران يوم 31 يوليو/ تموز 2024، في غارة إسرائيلية استهدفته.
فبينما كان هنية يشارك في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد بحضور 80 رئيس دولة، كانت مراسم تنصيب مهيبة تعد له، بأن يقلد وسام الشهادة بعد مسيرة امتدت على مدار أربعة عقود ونصف العقد واكب خلالها مراحل الثورة الفلسطينية حتى أصبح من أبرز رموز التحرر الوطني في العالم، وشهيد الأمة الذي تحل ذكرى استشهاده الثانية.
تميز القائد هنية بحضوره المميز، سواء بأناقة مظهره ولباسه وهيبته في مشيته أو جلوسه مع رؤساء الدول والشخصيات البارزة فكان بوزن رئيس دولة، إضافة لتميزه بسلامة اللغة التي كان يتحدثها وعمقها وإيجازها وقوتها، كان وحدويا حاول جاهدا إنهاء الانقسام الفلسطيني فقدم تنازلات كبيرة لأجل ذلك، لكن الاحتلال وأمريكا كانا العائق أمام إتمام المصالحة.
مسيرة قائد
رفض القائد هنية على مدار انخراطه بمشروع المقاومة أو ترؤسه لحركة حماس في قطاع غزة ومكتبها السياسي وقبل ذلك الحكومة الفلسطينية بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، الرضوخ للاحتلال، فكما بدأ مسيرته السياسية صلبًا رفض الاعتراف بـ (إسرائيل) حينما قال جملته الشهيرة بثبات وصلابة: "لن نعترف .. لن نعترف بـ (إسرائيل)"، في رفض شروط الرباعية الدولية، وحينما قال: "لن تسقط القلاع، ولن تخترق الحصون، ولن ينتزعوا منا المواقف"، اختتم مسيرته بتمسكه بمطالب الشعب الفلسطيني، فمورست عليه ضغوط كبيرة لم تنتهِ عند استهداف أبنائه وأحفاده بل كان هو الهدف لإزاحة هذا الجبل الشامخ من طريقهم.
بين زقاق مخيم الشاطئ بمدينة غزة للاجئين، ولد القائد هنية عام 1962، بين ثماني شقيقات وشقيق آخر اسمه خالد توفي قبل سنوات، وكان والده المسن يصحبه معه للمسجد حتى نشأ بين جدران المساجد وحلقات القرآن الكريم الذي لم يفارقه، فتوفي والده في أثناء دراسته الثانوية العامة، ومن ذلك المخيم ضج العالم باسمه وبسيرته بعدما أصبح رئيس مجلس الطلاب بالجامعة الإسلامية، ورئيس الحكومة الفلسطينية، ثم رئيس حركة حماس في قطاع غزة، قبل أن يرأس المكتب السياسي للحركة.
أفنى هنية حياته دفاعا عن القضية الفلسطينية وقضايا الأمة التي رفض أن تكون حركته جزءًا من صراعاتها، فحافظ على مساحة واحدة من الجميع، فكانت المسافة هي فلسطين والقدس ليعيد توجيه بوصلة الأمة التي حرفتها الخلافات الداخلية.
كانت مسيرته مليئة بالمتاعب، فتعرض للاعتقال عام 1989 لثلاث سنوات، ثم أبعد إلى مرج الزهور جنوب لبنان، حيث قضى عاما كاملا في الإبعاد عام 1992 برفقة المئات من قادة حماس والجهاد الإسلامي، وعاشوا في أجواء باردة وصعبة لم يعتد المبعدون عليها.
تعرض هنية لمحاولات اغتيال، فقد جرحت يده يوم 6 سبتمبر/ أيلول 2003 إثر غارة إسرائيلية استهدفت بعض قياديي حماس، من بينهم الشيخ أحمد ياسين، ومنع من دخول غزة بعد عودته من جولة دولية يوم 14 أكتوبر/ تشرين أول 2006.
خلال وجوده في غزة رفض الخروج من المخيم الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة، على الرغم من ترؤسه الحكومة ورفض الانتقال للعيش في أحياء غزة الفاخرة ليعيش حياته بين الفقراء واللاجئين، حتى انتقل لقطر بعد ترؤسه المكتب السياسي عام 2017، ففرضت ظروف المنصب وحاجته للسفر ولقاء المسؤولين ورؤساء الدول العيش بعيدا عن المخيم.
خلال الإبادة، استقبل هنية استشهاد أبنائه وأحفاده بالتسليم والصبر وعدَّه شرفا أكرمه الله به باستشهاد ثلاثة من أبنائه وعدد من أحفاده، وقال: "بهذه الآلام والدماء نصنع الآمال والمستقبل والحرية".
وأضاف: "أبنائي الشهداء حازوا شرف الزمان وشرف المكان وشرف الخاتمة، وظلوا مع أبناء شعبنا في قطاع غزة، ما يقرب من 60 من أفراد عائلتي ارتقوا شهداء شأن كل أبناء الشعب الفلسطيني، وأن هذه الدماء لن تزيدنا إلا ثباتا على مبادئنا وتمسكا بأرضنا وأن الحركة لن تقدم تنازلات لـ (إسرائيل)".
ابن المخيم
جمع المخيم القيادي د. محمد المدهون بالقائد هنية، فيروي المدهون عن تلك المحطة: "كنت فتى في المرحلة الابتدائية حينما عرفت القائد هنية الذي كان بالمرحلة الإعدادية ويدرس بالمعهد الأزهري مع الشيخ محمد عواد، ولم يكن المسجد في حينها ممتلئا بالمصلين من الأشبال، فكان إمام المسجد الكفيف يحبه حبا كبيرا ولم يقدم أحدا غير هنية للإمامة والخطابة بالرغم من صغر سنه، وكان يرافقه أحيانا للعزاء وتلاوة القرآن، وفي الجامعة توطدت علاقتنا بالعمل بالكتلة الإسلامية ومجالات أخرى تنظيمية خلال انتفاضة الحجارة".
تأثر القائد هنية بحياة المخيم التي كونت شخصيته، ويقول المدهون لصحيفة "فلسطين" إن هنية كان يحب المخيم والجيران والأهل والمسجد، ولم يترك المخيم طوال حياته، وقاد من بيته فيه كل محطات العمل الدعوي والحركي والاجتماعي والحكومي والسياسي من داخل المخيم.
عن شخصيته، يصفه بأنه دمث الخلق، ينتمي لأهله وقضيته ومتواضع، يعمل من قرب، وأضاف: "إذا نظرت إليه تجده صاحب رأي وحجة مقنعة يستطيع قيادة ناصية الحوار، وإذا نظرت إليه كخطيب وجدته خطيبا مفوها، وإماما حافظا لأجزاء كثيرة من القرآن، كان صوته نديا يؤم الناس في التراويح لعقود، وكان رجلا تنظيميا شوريا يجمع الناس حوله، ومحل إجماع في كثير من الجوانب وقادرا على توحيد الصف ومتسامحا وودودا، ورجلا وطنيا يتحرك بالمساحات الواسعة ويحاول الاقتراح من الآخر دون التخلي عن الثوابت".
ويرى المدهون، أن حماس تقدمت تقدما كبيرا خلال فترة رئاسة هنية لها سواء في غزة أو الأقاليم الثلاثة، وأصبحت عنوانا وأيقونة، وخلال فترة رئاسته للحكومة مثل مظلة للعمل الحركي والمجتمعي والشعبي وكان حاضنة للجميع ويقترب من العامة ويزور الجميع وله مساحات عمل مؤثرة ومتعددة وهذا أمر يحسب له في كل العناوين.
سياسيًا، يؤكد المدهون أن القائد هنية حافظ على الثوابت والقضية، بالرغم من المنعطفات الحادة التي مرت عليه، ولم يفقد البوصلة والمسار والاتجاه، وكان صلب المواقف كما كان يردد: "لن ينتزعوا منا المواقف"، فمثل صمام أمان للقضية، وهذا كان مؤشرا على أن خاتمته ستكون بالاستهداف والاغتيال والشهادة على درب من سبقوه من قادة الحركة والمقاومة.
وتمثل ذكرى اغتياله الثانية، عنوانا ومحطة للتأكيد أن القادة الكبار الذين يرحلون وكل هذه الوفود من الشهداء الذين قدمتهم هذه الحركة المجاهدة، وهي شهادة على صدقها وصوابية طريقها فلم تنكسر، فكانت أيقونة للتحرر الوطني والدفاع المستميت حتى التضحية المطلقة والكبيرة، وأن ذكراه تأكيد أن الشعب الفلسطيني لم يفرط ولم يخن ولم ينفصل عن قضيته.
الرجل السياسي الصلب الذي كانت كلمته دائما "لا" لكل من يريد نزع تنازل واحد منه تجاه القضية الفلسطينية، كان لا يرفض طلبا لكل من يقصده من أبناء شعبه سواء في أثناء سيره مع مرافقيه بالطرقات أو لمن يأتيه لطلب المساعدة لمكتبه.
"قطر ستحتضن من هذا اليوم قطعة طاهرة من فلسطين" بهذه الكلمات زف التلفزيون القطري الرسمي القائد هنية سبقتها جنازة مهيبة شارك بها مئات الآلاف في طهران، وجنازة في الدوحة بمشاركة الآلاف من علماء الأمة، وصليت عليه صلاة الغائب في مساجد دول كثيرة.