لم يكن الطبيب ميسرة الريس يتعامل مع الطب باعتباره مهنة فقط، بل طريقًا لخدمة الناس، اتبعها منذ سنوات دراسته الأولى في غزة، وصولًا إلى لندن حيث خاض تجربة أكاديمية جديدة، قبل أن يختار العودة إلى القطاع لخدمة أهله، في وقت كانت فيه الحاجة إلى كل طبيب وصاحب خبرة تزداد يومًا بعد آخر.
تروي شقيقته فاطمة وهي الناجية الوحيدة من أسرتها، أن ميسرة المولود في 31 يناير/ كانون الثاني 1995، كان منذ طفولته طالبًا متفوقًا، إذ كان يحصل على المرتبة الأولى في كل عام دراسي خلال مراحل التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.
وتقول فاطمة لصحيفة "فلسطين": إن "شقيقها درس الطب البشري في جامعة الأزهر بغزة، وتخرج عام 2019، قبل أن يظفر بعد فترة قصيرة بمنحة (تشيفنينغ) البريطانية، التي أتاحت له السفر إلى لندن لدراسة الماجستير في صحة المرأة والطفل في جامعة (كينغز كوليدج لندن)".
لم تكن رحلة ميسرة إلى الخارج بحثًا عن فرصة شخصية فقط، بل كانت مرحلة لبناء خبرة أراد أن يعيدها إلى غزة، وهو ما حدث بالفعل بعد إنهائه دراسته وعودته إلى القطاع في يوليو/ تموز عام 2021، حيث التحق بمنظمة "أطباء العالم" وعمل في المجال الصحي.
طريق العودة
تقول فاطمة: إن "ميسرة كان قادرًا على البقاء خارج غزة، لكنه اختار العودة، متأثرًا بكلمات والده الذي كان دائمًا يقنع أبناءه برغبته في بقائهم قريبين منه".
وتضيف، أن هذه الكلمات بقيت في ذاكرة شقيقها، فقرر أن يعود إلى غزة ويبدأ حياته المهنية فيها، قبل أن يخطب ويتزوج، ويستشهد بعد نحو خمسة أشهر فقط من زواجه.
وكان ميسرة قد عاد إلى غزة قبل اندلاع حرب الإبادة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بأسبوعين فقط، بعدما قضى فترة في لندن برفقة زوجته، ليجد نفسه بعدها في قلب واحدة من أكثر الفترات قسوة التي مر بها القطاع.
وخلال عمله مع منظمة "أطباء العالم"، لم يكن ميسرة طبيبًا يتنقل بين أقسام الطوارئ بالمستشفيات، بل كان جزءًا من الجهود الصحية والإدارية التي تهدف إلى دعم القطاع الطبي، وتطوير تدريب العاملين، وتعزيز جاهزية المراكز الصحية.
وتشير فاطمة إلى أن اهتمامه بالعمل الطبي لم يبدأ مع الحرب، فقد كان خلال سنوات سابقة حاضرًا في المبادرات التطوعية، ومنها مشاركته في تقديم الإسعافات الأولية خلال مسيرات العودة، قبل أن تبدأ الحرب التي غيّرت حياة الفلسطينيين في غزة.
ويحمل الطبيب جهاد حماد ذكرى خاصة عن ميسرة الريس، إذ يروي أن أول لقاء جمعهما كان عند أحد الجسور على نهر التايمز في قلب لندن، بينما كان آخر لقاء بينهما في أحد مقاهي حي الرمال بمدينة غزة.
ويصف ميسرة، بأنه كان شابًا هادئًا ورصينًا، جمع بين التفوق العلمي والبساطة في التعامل، مشيرًا إلى لقاءاته المتكررة مع مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين حصلوا على درجات الماجستير من جامعات لندن.
ويضيف أن ميسرة كان من الشخصيات التي تجمع الهدوء والطموح، وكان يرى فيه نموذجًا للشاب الذي يجمع العلم والأخلاق، قبل أن تنتهي حياته تحت ركام منزل عائلته في غزة.
نكبة العائلة
في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، كانت عائلة الريس على موعد مع لحظة مأساوية. تقول فاطمة: إن القصف استهدف العمارة التي كانت تقيم فيها العائلة في شارع الصناعة بمدينة غزة، حيث كان والدها ووالدتها وشقيقها ميسرة وشقيقتاها عريب وعزة وأطفالها الثلاثة داخل المنزل.
وتوضح أن شقيقها مؤيد خرج من العمارة قبل لحظات من القصف، وما إن ابتعد مسافة قصيرة حتى سقط المبنى بالكامل.
بعد أيام من البحث وسط ظروف صعبة، تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج بعض أفراد العائلة، فيما بقي آخرون تحت الأنقاض بسبب صعوبة الوصول إلى المكان.
وتروي فاطمة أن شقيقيها مؤيد ومحمد عادا إلى المنطقة في محاولة للمساعدة وانتظار وصول فرق الدفاع المدني، لكنهما استشهدا أيضًا إثر استهداف المكان.
وبعد مرور أكثر من عامين، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال رفات عدد من أفراد العائلة، من بينهم ميسرة وشقيقته الطبيبة عريب، بعد العثور على بقايا جثمانه والتعرف إليه عبر الطب الشرعي.
وتقول فاطمة: إن أفراد العائلة الذين تم انتشالهم دُفنوا معًا، في مشهد يلخص حجم الفقد الذي أصاب الأسرة.
أثر باقٍ
لم تنتهِ قصة ميسرة الريس عند لحظة استشهاده، فقد بقي اسمه حاضرًا في الأماكن التي ترك فيها أثرًا علميًا وإنسانيًا.
وفي جامعة "كينغز كوليدج لندن"، حيث درس الماجستير، جرى تكريم ذكراه من خلال تعليق صورته داخل الجامعة، بعدما اقترحت شقيقته فاطمة تنفيذها بالتطريز الفلسطيني، لتصبح جزءًا من مساحة تخلّد أحد خريجيها الفلسطينيين.
كما أعلنت الجامعة عن إطلاق منحة تحمل اسم الطبيب ميسرة الريس للعام الأكاديمي 2025/2026، مخصصة للطلاب الفلسطينيين، تخليدًا لذكراه واستمرارًا للقيم التي ارتبط بها من علم وخدمة للمجتمع.
رحل ميسرة الريس قبل أن يكمل الطريق الذي بدأه بين غزة ولندن، لكن قصته بقيت شاهدة على طبيب اختار العودة إلى المكان الذي ينتمي إليه، وعلى إنسان ترك خلفه أثرًا يتجاوز سنوات عمره القصيرة.