فلسطين أون لاين

هندسة التصفية: كيف تتكامل الضفة وغزة والقدس والشتات في إعادة تشكيل القضية الفلسطينية؟

ليس ما يجري في الضفة الغربية، ولا ما يُفرض على اللاجئ الفلسطيني في لبنان، ولا ما يُستهدف في القدس، ولا ما يُرتكب في غزة، أحداثًا متفرقة يمكن قراءتها كلٌّ على حدة.

إنها، في جوهرها، مسارات متوازية ضمن مشروع واحد، بهدف إعادة تشكيل القضية الفلسطينية تدريجيًا ضمن اجندة الاحتلال على طريق تصفيتها، بآليات مختلفة ونتائج تتراكم حتى تصبح واقعًا قائمًا.

في الضفة الغربية، لا يُهدم منزلٌ فحسب، بل يُعاد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه، وتُدفع الجغرافيا نحو الانكماش القسري.
وفي القدس، لا يقتصر المشهد على توترٍ ميداني في هذا الحي او ذاك، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة الوعي بالحق في المكان، ومن يملك روايته.

أما في غزة، فتُدار معادلة قاسية تقوم على استنزاف القدرة البشرية على الصمود، ودفعها إلى أقصى حدود الاحتمال تمهيدا لهجرة طوعية عندما لم تتحقق الهجرة القسرية.

وفي لبنان، يُعاد تشكيل حياة اللاجئ عبر منظومة من القيود القانونية والاقتصادية، تُثقله بتفاصيل البقاء وتُبعده تدريجيًا عن مركز قضيته.
بهذا المعنى، لا تعود هذه الساحات منفصلة، بل تتكامل ضمن بنية واحدة واضحة الوظائف:

إعادة تقسيم وتوزيع الأرض، وإعادة تشكيل الوعي، واستنزاف الإرادة، وإضعاف الحاضنة البشرية للقضية.

في الضفة، تتقلص الجغرافيا تحت وطأة الوقائع المفروضة.
وفي القدس، تُدفع الرواية نحو إعادة تعريف مستمر.
وفي غزة، يُختبر الحدّ الأقصى لما يمكن أن يتحمله الإنسان.
وفي الشتات، يُعاد تشكيل الفلسطيني كفردٍ منشغل بالبقاء، أكثر من كونه حاملًا لقضية.

هذه ليست مصادفات متزامنة، بل تراكمٌ منظم لوقائع جزئية مدروسة، كل واحدة منها قد تبدو محدودة التأثير، لكنها في مجموعها تُنتج تحولًا عميقًا في طبيعة الصراع.

تحولٌ لا يُعلن نفسه بقرارٍ واحد، ولا يُختصر في حدثٍ واحد، بل يتشكل تدريجيًا حتى يصبح واقعًا  لا تراجع عنه.
وعليه، لا يمكن التعامل مع هدم منزل في الضفة كخبرٍ منفصل، ولا مع التضييق على لاجئ في لبنان كإجراء داخلي عابر، ولا مع ما يجري في القدس كملف ديني معزول، ولا مع ما يحدث في غزة كجولة عسكرية مؤقتة.

إن قراءة هذه الوقائع خارج سياقها الجامع تُفقدها معناها الحقيقي.

ما يتشكل أمامنا هو نمط متكامل لإعادة صياغة القضية الفلسطينية:

ليس فقط عبر السيطرة على الأرض، بل عبر إعادة تعريف الفلسطيني نفسه—دوره، أولوياته، وعلاقته بأرضه وبقضيته.
فحين يُحاصر في الضفة،

ويُدفع في القدس إلى الدفاع عن هويته،
ويُستنزف في غزة حتى حدود القدرة،
ويُثقل في الشتات بأعباء الحياة…
تُعاد صياغة موازين الصراع على مستوى أعمق من الجغرافيا.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية:

لا في حدثٍ بعينه، بل في الصورة الكاملة التي تتشكل من مجموع هذه المسارات.

إنه انتقال تدريجي من صراعٍ على الأرض إلى إعادة تشكيل شاملة للواقع السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية—
بما يجعلها أقل حضورًا كقضية تحرر، وأكثر عرضة لأن تُختزل في أزمات متفرقة.

السؤال، إذًا، لم يعد: ماذا يجري في كل ساحة على حدة؟

بل: هل ما زال يُنظر إلى كل ما يجري بوصفه جزءًا من مشهد واحد؟ فمحاولات الاحتلال لا تتوقف لتصفية القضية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب وحدة الصف الفلسطيني في مواجهة ومقاومة مشاريع التصفية.

المصدر / فلسطين أون لاين