بينما تحولت معظم خيام النزوح في منطقة المواصي غرب خانيونس إلى مساحة لمقاومة الجوع والبرد والخوف، اختارت شرين نصار (40 عامًا) أن تمنح خيمتها وظيفة أخرى؛ ففي النهار تصبح ورشة صغيرة لإعداد لوازم الأعراس، وفي الليل تعود مأوى يؤويها مع زوجها وأطفالهما الخمسة، في محاولة للحفاظ على مصدر دخل يقي أسرتها قسوة الحرب.
وسط أكوام من الأقمشة والورود الصناعية وأدوات الزينة، تنهمك شرين في تجهيز طلبية جديدة لعروس، في حين تتجاور لوازم الأفراح مع الأفرشة التي ستُفرد مساءً لينام فوقها أفراد الأسرة.
وبين هذين المشهدين تختصر المرأة الفلسطينية رحلة طويلة من التكيف مع واقع فرضته الحرب.
قبل اندلاع الحرب، كانت شرين تدير مشروعًا للمطرزات الفلسطينية داخل محل “تريندز” في السوق التجاري في رفح، ضمن مشروع لدعم الرياديات، هناك كانت تصنع الإكسسوارات والتطريزات اليدوية التي ساعدتها في إعالة أسرتها والمساهمة في مصروف المنزل، قبل أن يدمر جيش الاحتلال الإسرائيلي كل ما بنته خلال سنوات.
وتقول لصحيفة "فلسطين": “كنت أشتغل في السوق التجاري بمشروع للمطرزات الفلسطينية والإكسسوارات، وكان مصدر دخل يساعدني على إعالة أولادي، بعد النزوح فقدت المحل، فقررت ألا أفقد مهنتي، وحولت خيمتي إلى مشروع جديد".
ولم تكتفِ بإحياء عملها السابق، بل وسعت نشاطها ليلائم احتياجات الأعراس التي لا تزال تُقام رغم ظروف الحرب، فأصبحت تصنع باقات الورود للعروس، وتجهز مستلزمات الحناء البدوية، وتزين سيارات الزفاف، وتصنع سلال المحابس والدبل، والشالات، والبراقع، وأغطية الطاولات، إلى جانب تأجير كثير من هذه المستلزمات للعائلات الباحثة عن فرحة بسيطة وسط الركام.
ومع انتهاء يوم العمل، تبدأ مرحلة أخرى من استخدام الخيمة نفسها، ترفع شرين أدواتها وترتبها بعناية، ثم تفرش الأغطية لتتحول الورشة إلى غرفة نوم تحتضن أسرتها حتى صباح اليوم التالي.
ولا تتوقف التحديات عند ضيق المكان، بل تمتد إلى نقص المواد الخام وارتفاع أسعارها، فقد اضطرت شرين إلى ابتكار وسائل بديلة لمواصلة العمل، بعدما أصبح شراء مستلزمات الإنتاج الأساسية يفوق قدرتها.
وتوضح: “أصابع السيليكون أصبحت نادرة وغالية جدًا، لذلك استبدلت مسدس السيليكون بشعلة صغيرة أستخدمها في تثبيت القطع، نحاول أن نجد بدائل لكل شيء حتى لا يتوقف العمل".
إلى جانب شرين، تعمل ابنة شقيقها روان نصار، خريجة تخصص تكنولوجيا المعلومات، التي لم تتمكن من بدء حياتها المهنية بعدما تزامن تخرجها مع اندلاع الحرب، لتجد نفسها تسلك طريقًا مختلفًا تمامًا عما حلمت به.
وتقول روان: “درست أربع سنوات في الجامعة، لكن الحرب جاءت قبل أن أبدأ حياتي العملية، عندما أعادت عمتي افتتاح مشروعها داخل الخيمة، عملت معها في تصميم توزيعات الأفراح وترتيب الطلبات".
وتضيف أن الدخل المتواضع الذي يوفره المشروع أصبح يسند الأسرة مع انعدام فرص العمل، موضحة: “أصرف من هذا العمل على نفسي وعلى إخوتي ووالديّ، فالأوضاع صعبة جدًا، ولا يوجد مصدر دخل آخر".
ورغم الألم الذي يحيط بهم، ترى روان أن استمرارهم في صناعة مستلزمات الأفراح يحمل رسالة تتجاوز الجانب المادي، وتقول: “نصنع الفرح حتى يعود الناس إلى الحياة من جديد، صحيح أننا نعيش الحرب بكل تفاصيلها، وحتى والدي أصيب مؤخرًا، لكننا نحاول أن نمنح الآخرين لحظات فرح… والله ما ضل فينا حيل، لكننا ما زلنا نحاول".
في خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، تتجاور أدوات العمل مع فراش الأطفال، وتختلط أصوات تجهيز الأعراس بأخبار الحرب.
وبينما يواصل النزوح رسم ملامح الحياة اليومية، تصر شرين نصار على أن تبقي نافذة صغيرة مفتوحة للأمل، مستبدلةً ركام المحال التجارية بخيمة تؤكد أن الفلسطيني، حتى في أقسى الظروف، قادر على صناعة أسباب البقاء… بل وصناعة الفرح أيضًا.