بينما تواصل قيود الاحتلال تعميق العجز التجاري وتحد من نمو الإنتاج الوطني، تتجدد المطالبات الفلسطينية للمجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال لفتح جميع المعابر، والسماح بإدخال السلع والمواد الخام والآلات اللازمة لتعزيز الإنتاج الوطني.
ويشدد مراقبون على أن استمرار القيود المفروضة على حركة البضائع والمواد الخام ينعكس مباشرة على مختلف القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، إذ يؤدي ذلك إلى إضعاف القدرة التشغيلية للمصانع وتقليص حجم الإنتاج، ما يحدّ من فرص النمو الاقتصادي ويعمّق حالة الركود في السوق المحلي.
وتشير البيانات إلى أن الفلسطينيين استوردوا من الداخل المحتـل ما يعادل 2.5 دولار مقابل كل دولار واحد صدّروه إليه، استنادًا إلى النتائج الأولية للتجارة الخارجية المرصودة للسلع خلال شهر أيار الماضي، وهو ما يعكس اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري ويؤكد حجم التبعية الاقتصادية المفروضة.
ويجدد المراقبون مطالبتهم بوضع حد لغزو منتجات الاحتلال للسوق الفلسطينية، خاصة بضائع المستوطنات، التي تدخل الأسواق المحلية بطرق غير قانونية، وأحيانًا تُسوّق بوسم فلسطيني، ما يخلق منافسة غير عادلة مع المنتج الوطني ويؤثر سلبًا على ثقة المستهلك.
نجاح المنتج الوطني
من جهته، يوضح مدير مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد" في غزة، محمد سكيك، أن المنتج الوطني برهن على قدرته على تلبية احتياجات السوق المحلي، إلى جانب نجاحه في اختراق عدد من الأسواق الخارجية، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهه. ويؤكد سكيك لصحيفة "فلسطين" أن هذا الأداء يعكس حجم الجهود التطويرية المستمرة التي يبذلها المصنعون، سواء على صعيد الجودة أو الكفاءة أو القدرة التنافسية، في بيئة اقتصادية معقدة ومليئة بالقيود.
ويبين أن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد الجهود الرسمية والقطاع الخاص لدعم عجلة الإنتاج، وتمكين الصناعات المحلية من مواصلة النمو والتوسع، من خلال توفير بيئة استثمارية محفزة، وتسهيل الإجراءات، وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين.
ويشدد على ضرورة فتح مسارات تعاون اقتصادي وتجاري مع الأسواق العربية والدولية، بما يسهم في تنويع فرص التصدير وتقليل الاعتماد على مصادر محدودة، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية المحيطة بالاقتصاد الفلسطيني.
كما يشير سكيك إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه البعثات الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج، من خلال تعزيز الحضور الاقتصادي لفلسطين، والترويج للمنتجات الوطنية، وتهيئة فرص حقيقية للوصول إلى أسواق جديدة، بما يدعم انتشار المنتج الفلسطيني ويعزز مكانته.
ويدعو إلى تأسيس صندوق وطني لدعم الصادرات، يكون بمثابة أداة تمويلية فاعلة لمساندة المصدرين، لا سيما الجدد منهم، عبر تقديم دعم مالي وحوافز تشجعهم على توسيع أعمالهم وتحسين قدراتهم، ومساعدتهم في تجاوز التحديات المرتبطة بعمليات التصدير.
ويؤكد أن تعزيز الصادرات يمثل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتقليص العجز التجاري، وبناء منظومة إنتاجية قوية قادرة على المنافسة والاستمرار في مختلف الظروف.
احتياجات القطاع الصناعي
من جانبه، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي خالد أبو عامر أن سلطات الاحتلال تفرض قيودًا وعراقيل على إدخال احتياجات القطاع الصناعي من المواد الخام والآليات والمعدات، الأمر الذي يعيق عملية الإنتاج المحلي ويحدّ من قدرته على التوسع والتطور.
ويوضح أبو عامر لصحيفة "فلسطين" أن القيود تجعل المنتج المحلي غير قادر على تلبية احتياجات السوق، سواء من حيث الكمية أو الجودة أو التكلفة، ما يؤدي إلى ترجيح كفة المنتجات المستوردة على حساب الصناعة الوطنية.
ويبين أن حرب الإبادة على غزة شهدت تعمّد الاحتلال استهداف وتدمير المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية بشكل ممنهج، بما في ذلك المصانع وورش الإنتاج والمخازن، ما ألحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد المحلي وأدى إلى توقف العديد من الأنشطة الإنتاجية.
ويضيف أن التدمير لا يقتصر على الخسائر المادية المباشرة، بل يمتد ليشمل فقدان فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، وازدياد الاعتماد على الواردات، ما يفاقم حالة التبعية الاقتصادية ويقوّض فرص تحقيق تنمية مستدامة.
وفي السياق ذاته، يشير مراقبون إلى أن القيود المفروضة لا تقتصر على الجانب اللوجستي، بل تمتد لتشمل قيودًا إدارية ومالية، مثل تأخير إدخال المواد، وفرض رسوم إضافية، وتعقيد إجراءات التخليص، ما يزيد من تكاليف الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني في الأسواق المحلية والخارجية.
وقد قيّد اتفاق باريس الاقتصادي التجارة الفلسطينية، إذ تربط سلطات الاحتلال السماح بالتبادل التجاري مع الخارج بدول محددة تقيم علاقات معها، ما يحرم الفلسطينيين من الانفتاح على عمقهم العربي والإقليمي، ويحدّ من فرص تنويع الشركاء التجاريين.
ويُعد اتفاق باريس الاسم الدارج للبروتوكول الاقتصادي الملحق باتفاقية أوسلو، وقد وُقّع في 29 أبريل/نيسان 1994، بهدف تنظيم العلاقات الاقتصادية عبر "اللجنة الاقتصادية المشتركة" خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن هذه اللجنة لم تؤدِ دورها المطلوب، وتوقفت اجتماعاتها فعليًا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.
ووفقًا للأرقام، بلغت قيمة الصادرات الفلسطينية خلال أيار 2026 نحو 193.3 مليون دولار، استحوذت سلطات الاحتلال على 96% منها، بقيمة تقارب 185.6 مليون دولار، ما يعكس محدودية الأسواق التصديرية.
في المقابل، بلغت قيمة الواردات الفلسطينية 719.7 مليون دولار، شكّلت الواردات من الاحتلال 65% منها، بقيمة وصلت إلى نحو 467.8 مليون دولار.
وتعكس الأرقام فجوة تجارية كبيرة، إذ تجاوزت الواردات الفلسطينية من الاحتلال قيمة الصادرات إليها بنحو 282.2 مليون دولار خلال شهر واحد فقط، فيما بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري نحو 653.4 مليون دولار.
وبشكل عام، ارتفع العجز في الميزان التجاري للسلع المرصودة بنسبة 15% خلال أيار 2026 مقارنة بالشهر ذاته من العام السابق، ليصل إلى 526.4 مليون دولار، ما يؤكد الحاجة إلى سياسات اقتصادية فاعلة تدعم الإنتاج المحلي وتعزز القدرة على الصمود الاقتصادي.

