"لم أفكر يومًا أنني سأصبح مريضًا في القسم الذي كنت أضمد فيه جراح المصابين، لكنني كنت مؤمنًا أن رسالتي بصفتي ممرضًا لا تنتهي بإصابتي، بل ستبدأ من جديد"، بهذه الكلمات يلخص الحكيم تامر أسامة الحافي (42 عامًا) رحلته التي بدأت مع اندلاع حرب الإبادة يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين خرج من منزله متجهًا إلى المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، ولم يكن يعلم أن الطريق الذي سار فيه لإنقاذ الجرحى سيقوده إلى الإصابة والأسر، ثم إلى فقدان عينه اليمنى وبتر قدمه، قبل أن ينتصر على الألم ويعود إلى عمله مشرفًا للتمريض.
كان الحافي يشغل منصب رئيس قسم تمريض العظام الخاص بفئة الرجال في المستشفى الإندونيسي، وبالرغم من أنه كان في إجازة يوم اندلاع الحرب، إلا أن أصوات الصواريخ والانفجارات كانت كافية لتجبره على النزول للعمل، حيث أمضى أيامًا متواصلة بين غرف العمليات والطوارئ، يستقبل مئات المصابين ويضمد جراحهم.
"كل يوم كان أصعب من الذي سبقه، لكننا لم نكن نملك رفاهية التوقف، فقد كانت حياة الناس أمانة بين أيدينا"، وفق قوله لصحيفة "فلسطين".
وفي التاسع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، اشتد القصف على منطقة تل الزعتر، المجاورة للمستشفى الإندونيسي، وبدأت تصل جثامين الشهداء إلى قسم الطوارئ، إضافة إلى مصابين من الحي الذي يسكن فيه. لم يجد بين المصابين أحدًا من أفراد عائلته، فاندفع نحو منزله وهو يخشى أن يكون قد فقدهم جميعًا، وعندما علم أن أسرته نزحت جنوبًا، عاد مسرعًا إلى المستشفى، لكن أصوات القصف أوقفته.
ووسط الغبار الكثيف، سمع شابًا يستغيث، اقترب منه ليجد ساقه مبتورة من فوق الركبة، فسارع إلى إسعافه بما توفر لديه، مستخدمًا سلكًا معدنيًا لربط جرحه ووقف النزيف، وبينما كان يحاول سحبه إلى مكان آمن، عاد القصف بعنف.
يصف الحافي المشهد، قائلاً: "كنت أجر المصاب بينما كانت الشظايا تتساقط حولنا كالمطر، ولم أدرك أنني أصبت إلا عندما نظرت إلى ساقي ورأيت العظم خارج الجلد".
بقي الحافي والمصاب وحدهما في الشارع قرابة ساعة، حتى تمكن أحد الشبان من نقلهما إلى منزل مجاور، ثم وصلت سيارة إسعاف أوصلتهما إلى المستشفى الإندونيسي. وكان في استقبال الحافي زملاؤه الذين عمل معهم سنوات طويلة، وأجروا له عملية تثبيت خارجي لعظام الساق.
ولم تكن الإصابة نهاية المحنة، ففي صباح اليوم التالي تعرض المستشفى لقصف مباشر، ومع اقتراب قوات جيش الاحتلال، اضطر المرضى إلى الفرار، لم يكن الحافي قادرًا على الحركة، فحمله والده الستيني على ظهره، بمساعدة أحد زملائه، حتى وصل إلى مستشفى العودة.
ولاحقًا قرر الحافي النزوح، وعندما كان في طريقه إلى جنوبي قطاع غزة، تعرض للاعتقال عند محور "نيتساريم" سابقًا، رغم إصابته البالغة، ليقضي 45 يومًا في الأسر دون رعاية طبية.
ويضيف، "لم أرَ الشمس طيلة فترة اعتقالي، كنت معصوب العينين ومقيد اليدين والقدمين، ولم أحصل على العلاج الذي كان يمكن أن ينقذ جسدي من المضاعفات".
ويصف الحافي الأيام التي قضاها في الأسر بأنها كانت معركة أخرى من أجل البقاء، إذ سُحبت منه القسطرة البولية بطريقة عنيفة، وحُرم من الغذاء والرعاية الطبية، وعلى إثر ذلك بدأ يعاني من مضاعفات صحية.
وعندما أُفرج عنه في الثالث من يناير/ كانون الثاني 2024، تركه جنود جيش الاحتلال قرب معبر "كرم أبو سالم" جنوب شرقي قطاع غزة، وكان في حالة صحية صعبة، رافقها عدم تمكنه من الحركة بسبب الإصابة والإهمال الطبي.
وتابع سرد تفاصيل الإفراج عنه: "سمعت الجنود يصرخون عبر مكبرات الصوت: أخرج من هنا وإلا قتلناك. لم يكن أمامي سوى الزحف، فزحفت ثلاث كيلومترات ونصف، وكانت الإرادة أقوى من الجسد".
وصلت سيارات الأمم المتحدة ونقلته إلى المستشفى، لكنه بعد أسبوع أصيب بجلطة رئوية نتيجة حرمانه من العلاج داخل الأسر، ودخل العناية المركزة خمسةً وعشرين يومًا على أجهزة التنفس الصناعي.
وبسبب مضاعفات طبية خطيرة، فقد عينه اليمنى، وأجريت له عملية استئصال كاملة لها في مارس/ آذار 2024، قبل أن يُحول إلى مصر لاستكمال العلاج، وهناك خضع لعشرات العمليات لإنقاذ ساقه، لكن محاولات الأطباء انتهت بقرار بترها في 23 فبراير/ شباط 2025.
ولم يكن الألم الجسدي وحده ما يثقل قلبه، فخلال رحلة العلاج، تلقى تباعًا أخبار استشهاد شقيقه محمد، وزميله وصديق عمره الحكيم ضياء فلفل، وابنة شقيقه، وعمه وابن عمه، ووالد زوجته وابنه وحفيده، إضافة إلى عدد كبير من زملائه وأقاربه وجيرانه.
"كنت أستقبل خبر شهيد جديد وأنا على سرير العلاج، لكنني كنت أقول لنفسي إن الحياة التي بقيت لي يجب أن تكون وفاءً لكل من رحل"، وفق قوله.
ورغم كل تلك الخسارات، لم يسمح الحافي للحرب أن تنتزع مستقبله، فسجل خلال فترة علاجه في برنامج ماجستير الإدارة الصحية، مؤمنًا بأن العلم شكل آخر من أشكال المقاومة. ويوم 24 مايو/ أيار 2026 عاد إلى قطاع غزة، قبل عيد الأضحى بيوم واحد.
يضيف: "لحظة احتضان أبنائي كانت أعظم انتصار في حياتي، أما هدفي الأول بعد العودة فكان أن أرتدي زي التمريض من جديد".
اليوم يعمل الحافي مشرفًا للتمريض في مستشفى الرنتيسي، مؤكدًا أن فقدان العين والقدم لم ينتزع منه هويته الحقيقية، بل زاده يقينًا بأن الإنسان يقاس بما يقدمه لا بما فقده.
ويختتم الحافي حكايته برسالة تختصر سنوات من الألم والصمود: "قد يخسر الإنسان عضوًا من جسده، لكنه لا يجب أن يخسر رسالته، سأبقى ممرضًا ما حييت، وأحتسب كل ما أصابني في سبيل الله، وأعتبر أن عودتي لخدمة أبناء وطني هي أعظم تعويض منحني الله إياه".