في قرار بدا مفاجئًا للمتابعين، وبعد مداولات شهدها مجلس الاحتلال الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية "الكابنيت"، صدقت حكومة الاحتلال على إطلاق مرحلة تجريبية، يتم بموجبها السماح لقوة الاستقرار الدولية، التي اتُّفق عليها في إطار خطة الرئيس الأمريكي ترامب، والمكوَّنة من عشرين نقطة.
وفي وقت يستعد فيه رئيس وزراء الاحتلال "نتنياهو" للذهاب إلى واشنطن لمقابلة ترامب، تأتي هذه الموافقة، فيما يظهر كمكافأة بين يدي اللقاء، طمعًا في رضا الرجل الذي أرهقته مراوغات "نتنياهو" التي لا تتوقف، ومحاولاته المتكررة لتوريط الإدارة الأمريكية.
فقد ظهر هذا الامتعاض في مرات عديدة، سواء على لسان الرئيس ترامب أو أبرز وجوه إدارته، وخاصة نائبه فانس، الذي وجَّه انتقادات غير مسبوقة للاحتلال الإسرائيلي ولقادته، الذين اتهمهم بالإضرار بالمصالح المشتركة.
لكن مهلًا، كيف يمكن لنا الوثوق بأن هذه الخطوة ذات أهمية واعتبار، وليست إحدى مناورات "نتنياهو" التي اعتاد عليها؟ خاصةً ونحن نتابع السباق المحموم للأحزاب الصهيونية للوصول إلى تشكيل ائتلاف يفضي إلى إزاحة الفاسد "نتنياهو" عن سدة الحكم، كما يحلو لكثيرين منهم وصفه.
ولمحاولة قراءة خطوة الاحتلال الإسرائيلي بالسماح لقوة الاستقرار الدولية بالعمل في القطاع المحاصر، في سياق الاتفاق الموقع في القاهرة بحضور الوسطاء، فيجب أن يفضي انتشار القوة الدولية إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي نحو حدود القطاع، والسماح لحكومة التكنوقراط بالعمل بحرية في غزة، وإطلاق مشاريع الإغاثة والإعمار.
ولأن الاحتلال الإسرائيلي صاحب سجل طويل في المماطلة والالتفاف وتجاوز الاتفاقيات، فإن السماح المشروط للقوة الدولية، وفي نطاق جغرافي ضيق، وهنا الحديث عن غرب رفح، وفي ظل استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في ما يُعرف بمناطق الخط الأصفر، والاحتفاظ بالمواقع العسكرية التي بناها بعد السابع من أكتوبر، يضع الخطوة برمتها أمام اختبار حقيقي، قد يفضي إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه.
إن المرحلة التجريبية المفترضة يجب أن تشمل تمكينًا حقيقيًا لحكومة إدارة غزة، وإتاحة الفرصة لانتشار قوة الاستقرار الدولية في ظل انسحاب الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء وجوده شرق الخط الأصفر، والانسحاب من المواقع العسكرية، لإتاحة الفرصة للعمل على إطلاق مشاريع التعافي والإغاثة والإعمار، وفق رؤية الرئيس الأمريكي ترامب، وما تم الاتفاق عليه مع الوسطاء.
ما سبق أساسي للعودة إلى مسار يفضي إلى الاستقرار في غزة، ويحقق مناخًا يصلح لعمل حكومة التكنوقراط، ويوفر إمكانيات لنجاح المساعي الدولية. أما بقاء الاحتلال الإسرائيلي في مواقعه المحتلة، وفرض شروط على قوة الاستقرار الدولية، فسيفضي إلى تأزيم الواقع وإفشال المساعي الدولية وجهود الرئيس الأمريكي ترامب.
فجدية الخطوات ستُختبر على الأرض، والتقييم الحقيقي سيظهر في الميدان.