ليس من قبيل الصدفة أن يتحول المشهد الميداني إلى جحيم من القصف والدمار كلما تسربت أنباء عن قرب إنجاز الهدنة، أو التقدم نحو المرحلة الثانية من أي مسار تفاوضي.
إن تتبع هذا النمط المتكرر يكشف عن بنية سياسية إسرائيلية عميقة، لا تتعامل مع المفاوضات كوسيلة لحل النزاع، بل كمسرح لإدارة الوقت وتهيئة الظروف الميدانية لفرض وقائع جديدة تستحيل معها أي تسوية لاحقة. المنطق القائم هنا ليس منطق السلام، ولا حتى منطق الحرب المفتوحة، بل هو منطق المنطقة الرمادية التي يتقنها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، والتي تُنتَج فيها الأزمات بوعي كامل لإجهاض أي فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة الهدنة المؤقتة إلى مرحلة الترتيبات الدائمة.
من تتبع مسار المفاوضات منذ السابع من أكتوبر يشير بوضوح إلى أن اللحظات الأكثر دموية في القطاع تزامنت مع اقتراب الوسطاء من صياغة تفاهمات ملموسة.
هذا التزامن ليس وليد الصدفة العسكرية، ولا هو نتيجة لضرورات ميدانية بحتة، بل يمكن قراءته كمؤشر على أن صانع القرار في "تل أبيب" يدرك أن أي هدوء طويل الأمد سيخلق ضغطًا دوليًا لا يمكن مقاومته للانتقال إلى مسار سياسي جاد. وبما أن هذا المسار السياسي يعني بالضرورة تقديم استحقاقات تتعلق بالانسحاب، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، فإن الخيار الوحيد المتبقي لتعطيل هذا الاستحقاق هو تفجير الوضع ميدانيًا في اللحظة الحاسمة.
وثمة بعد آخر يتعلق بالتركيبة الائتلافية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتحالف للائتلاف القادم بين نتنياهو واليمين الصهيوني في الانتخابات القادمة، بعد حل الكنيست، مرهون بإبقاء حالة الحرب مشتعلة، أو على الأقل بحالة من التصعيد المدروس، التي تساعد في حصد أصوات يمينية قبل الانسحاب، والذهاب إلى المرحلة الثانية؛ لأن الاتفاق يعني عمليًا الإعلان عن انتهاء الأهداف المعلنة للحملة العسكرية، وهذا يمثل تهديدًا وجوديًا لتحالفات نتنياهو.
هكذا يصبح التصعيد ليس مجرد خيار عسكري من بين خيارات أخرى، بل هو بمثابة غراء سياسي يمنع سقوط نتنياهو، ويطيل أمد بقائه في رئاسة الوزراء. إنها معادلة مفرغة تترجم فيها الحاجة السياسية الداخلية إلى قصف واجتياحات يعاني منها المدنيون في غزة.
إن ما ترصده المنظمات الأممية وتقارير حقوق الإنسان الموثقة من أنماط في استهداف البنية التحتية المدنية لا يمكن فصله عن هذا السياق السياسي. فحجم الدمار الذي طال المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء لا يمكن تفسيره بمنطق الاستهداف العسكري العرضي وحده، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة لجعل القطاع غير قابل للحياة. الهدف الاستراتيجي من ذلك يتجاوز اللحظة الراهنة ليصل إلى جعل أي حديث عن إعادة إعمار، أو بناء مؤسسات دولة فلسطينية مستقبلية، مجرد خيال. عندما تُقصف الجامعة الأخيرة، وتُدمر آخر محطة لتحلية المياه، لا يكون الهدف مجرد إلحاق الضرر، بل نسف أي إمكانية لقيام كيان سياسي مستدام.
الشرعية الدولية هنا تقف عاجزة، لا عن إدراك ما يجري، بل عن ترجمته إلى آليات ردع فعلية. فالقرارات الأممية تتراكم، والفيتو يعطل، والإدانات تصدر بصيغ مكررة، بينما الوقائع على الأرض تتغير بشكل لا رجعة فيه. هذه الفجوة بين القانون الدولي والقدرة على إنفاذه هي المساحة التي تتحرك فيها آلة التصعيد بحرية شبه مطلقة.
إن استمرار هذا المشهد دون محاسبة فعلية يخلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، مفادها أن القوة الميدانية قادرة على إفراغ أي إطار قانوني من مضمونه.
الخلاصة التي تفرض نفسها على أي مراقب للديناميكيات الجارية هي أننا أمام معضلة بنيوية، وليست مجرد سلسلة من الخروقات الفردية. إن الربط العضوي بين التصعيد الميداني واللحظات المفصلية في المسار التفاوضي، وبين الضرورة السياسية الداخلية لاستمرار نتنياهو في الحكم، يكشف عن نظام سياسي كامل يعمل بمنطق إنتاج الأزمات، وليس حلها.
وحتى يتم تفكيك هذه المعادلة، سيبقى أي حديث عن اتفاق دائم، أو مرحلة ثانية، مجرد سراب يتبدد، ما لم يكن هناك ضغط فعلي من الرئيس الأمريكي ترامب للجم نتنياهو، ووقف اعتداءاته وشلالات الدم الفلسطيني بفعل الجرائم الإسرائيلية المستمرة.