فلسطين أون لاين

تفكيك السردية الإسرائيلية بين تصريحات ألبانيزي واغتيال رجال الشرطة

لم تعد تصريحات المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، مجرد موقف حقوقي يُضاف إلى أرشيف الإدانات الدولية، بل تحولت إلى مرافعة سياسية وقانونية تعيد تعريف طبيعة الصراع، وتفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للمسؤولية الدولية.

فهي لا تحصر الجرائم في قرارات حكومة بعينها، ولا تختزلها في شخصية بنيامين نتنياهو، وإنما تنقل النقاش إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة البنية السياسية والاستعمارية التي تنتج هذه السياسات، وتعيد إنتاجها بصورة مستمرة.

وهذا التحول في الخطاب يمثل تطورًا نوعيًا؛ لأنه ينقل النقاش من مساءلة الأفراد إلى مساءلة المنظومة التي تمنح تلك الجرائم شرعيتها السياسية ومظلتها المؤسسية.

أخطر ما ورد في تصريحات ألبانيزي أنها رفضت السردية التي تحاول تفسير الجرائم باعتبارها انحرافًا مؤقتًا أو نتيجة خيارات حكومة متطرفة، مؤكدةً أن ما يجري لا يقتصر على نتنياهو أو مجموعة من المسؤولين، وإنما يعكس طبيعة إسرائيل بوصفها بنية استعمارية تنتج العنف بصورة ممنهجة.

وهذه القراءة لا تكتفي بإدانة السلوك، بل تتناول الأساس الفكري والسياسي الذي يجعل استهداف الفلسطينيين ممارسة متكررة وليست استثناءً عابرًا.

ومن هنا، فإن توصيفها للمجازر في الضفة الغربية، بالتزامن مع استمرار القصف في قطاع غزة، يحمل دلالة عميقة؛ لأن وحدة المشهد تعني أن السياسة واحدة، وإن اختلفت أدوات التنفيذ. فالضفة تشهد تصاعدًا في قتل المدنيين، وتوسعًا استيطانيًا، وعنفًا يمارسه المستوطنون تحت حماية المؤسسة العسكرية، بينما يتعرض قطاع غزة للتدمير والحصار والاستهداف المستمر، وهو ما يشير إلى وجود استراتيجية متكاملة تتجاوز حدود العمليات العسكرية إلى مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة.

وفي هذا الإطار، يصبح اغتيال رجال الشرطة في قطاع غزة جزءًا من هذه المنظومة، وليس حادثة أمنية منفصلة. فالشرطة ليست قوة مقاتلة على خطوط المواجهة، وإنما مؤسسة مدنية تضطلع بحماية النظام العام، وتنظيم حياة السكان، وتأمين المساعدات، والحفاظ على السلم الأهلي.

واستهدافها يهدف إلى إضعاف المجتمع من الداخل، وإنتاج فراغ أمني يسمح بتوسيع حالة الفوضى وتحويلها إلى أداة ضغط سياسي، وهذا ما يجعل الجريمة تتجاوز بعدها الأمني لتصبح جزءًا من سياسة تستهدف مقومات الصمود المدني.

وكان آخرها اغتيال محافظ شرطة شمال غزة، العميد عبد الناصر المقادمة، ومحافظ الأمن الداخلي بالمحافظة الوسطى، العقيد وائل اللداوي.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المشاريع الاستعمارية لا تكتفي بالسيطرة العسكرية، بل تعمل على تفكيك المجتمع وإضعاف مؤسساته حتى يصبح عاجزًا عن تنظيم نفسه. وعندما تتحول المدارس والمستشفيات وسيارات الإسعاف ورجال الشرطة إلى أهداف مباشرة، فإن الرسالة لا تتعلق بالأشخاص، وإنما بالبنية التي تحفظ تماسك المجتمع؛ لأن المجتمع الذي يفقد أدواته المدنية يصبح أكثر عرضة للهيمنة، وأكثر استعدادًا للقبول بالوقائع التي تفرضها القوة.

وتبرز أهمية تصريحات ألبانيزي أيضًا في دعوتها الصريحة إلى فرض حظر على تصدير السلاح، ووقف التجارة مع إسرائيل، وهي دعوة تتجاوز الخطاب الأخلاقي إلى المجال القانوني؛ إذ تنطلق من مبدأ راسخ في القانون الدولي يقضي بعدم جواز تقديم الدعم أو المساعدة إذا كان من شأنها الإسهام في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو للقانون الدولي الإنساني.

وبذلك، فإنها لا تكتفي بوصف الجريمة، وإنما تحدد مسؤوليات المجتمع الدولي والدول التي تستمر في تزويد إسرائيل بالسلاح أو الغطاء السياسي، رغم تراكم الأدلة على حجم الانتهاكات.

وهذا الطرح يضع القوى الدولية أمام اختبار حقيقي؛ لأن استمرار العلاقات العسكرية والتجارية في ظل هذه الوقائع يثير تساؤلات حول مدى التزام تلك الدول بالقواعد التي تدافع عنها في أزمات أخرى. فالانتقائية في تطبيق القانون الدولي لا تضعف العدالة وحدها، بل تقوض الثقة بالنظام الدولي كله، وتمنح الإفلات من العقاب مساحة أوسع للاستمرار.

ومن الناحية القانونية، فإن ما طرحته ألبانيزي يعزز الاتجاه المتنامي داخل المؤسسات الدولية، الذي ينظر إلى الانتهاكات باعتبارها نمطًا ممنهجًا لا مجرد حوادث متفرقة، وهو ما يفتح المجال أمام توسيع دائرة المساءلة لتشمل كل من يشارك في التخطيط أو التنفيذ أو التسهيل أو توفير الدعم السياسي والعسكري. وهذا يمثل تطورًا مهمًا في الخطاب الحقوقي الدولي؛ لأنه يربط بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية السياسية والمؤسسية.

أما على المستوى الفلسطيني، فإن هذه التصريحات توفر فرصة لإعادة بناء الخطاب السياسي على أساس القانون الدولي، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل الإعلامية.

فالرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على بيانات الإدانة، بل على توثيق الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين عنها أمام الهيئات القضائية الدولية، وتعزيز الجهد الدبلوماسي الهادف إلى تحويل هذه المواقف الحقوقية إلى إجراءات عملية تضيق مساحة الإفلات من العقاب.

ويبقى اغتيال رجال الشرطة أحد النماذج التي تكشف طبيعة هذه السياسة. فالشرطي الذي خرج من منزله لحماية الناس وتنظيم حياتهم لم يكن طرفًا في معركة عسكرية، وإنما كان يؤدي وظيفة مدنية تخدم المجتمع. واستهدافه لا يطال شخصه فقط، بل يطال الأمن المجتمعي، ويضاعف معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت ظروف إنسانية قاسية. ولذلك، فإن حماية المؤسسات المدنية والعاملين فيها ليست مسألة فلسطينية فحسب، بل التزام قانوني يقع على عاتق المجتمع الدولي.

إن القيمة الحقيقية لتصريحات فرانشيسكا ألبانيزي لا تكمن في قوتها اللغوية فقط، بل في أنها كسرت إحدى أكثر السرديات رسوخًا، وهي اختزال المسؤولية في أفراد بعينهم، وأعادت النقاش إلى جوهر القضية باعتبارها قضية بنية استعمارية وسياسات ممنهجة، لا يمكن معالجتها بتغيير الحكومات أو الوجوه السياسية وحدها، بل بمساءلة المنظومة التي تنتج هذه الممارسات، ووقف كل أشكال الدعم التي تسمح باستمرارها؛ لأن العدالة لا تتحقق بإدانة الجريمة فقط، وإنما بإزالة الشروط التي تجعل تكرارها ممكنًا.

المصدر / فلسطين أون لاين