لم تكد فرحة نتائج الثانوية العامة تجد طريقها إلى خيمة عائلة البريم في منطقة المواصي، جنوب قطاع غزة، حتى انقلبت إلى مأتم، بعد استشهاد الطالب خالد زكي البريم، أول من أمس، إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية، وفق مصادر طبية.
وفي أروقة مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، احتشد مشيعون وأقارب الطالب وأصدقاؤه يودعونه للمرة الأخيرة، بعد يوم واحد فقط من إعلان نتائج الثانوية العامة في الأراضي الفلسطينية، التي أظهرت تفوقه الدراسي وحصوله على معدل 88%.
وبينما كان يفترض أن تستقبل عائلة البريم المهنئين بنجاح خالد، كانت تستعد لتشييع جثمانه، بعدما اختصر القصف الإسرائيلي المسافة بين فرحة النجاح ووجع الفقد.
وقف ياسر البريم، أحد أقارب الشهيد، داخل مغسلة مجمع ناصر الطبي، يودع خالد بنظرات مثقلة بالحزن، مستعيدًا تفاصيل الأيام الأخيرة من حياته.
يقول ياسر إن خالد حصل على معدل 88% في الثانوية العامة، لكنه لم يكن يخطط لإقامة احتفال كبير أو استقبال المهنئين، إذ كانت العائلة لا تزال تعيش حالة من الحزن بعد استشهاد اثنين من أعمامه قبل نحو ثلاثة أسابيع.
ويضيف أن خالد كان طالبًا مجتهدًا ومحبوبًا بين أفراد عائلته وأصدقائه، ويحرص على مساعدة كل من يطلب منه العون، على الرغم من الظروف القاسية التي عاشها خلال الحرب، والتي اضطرته إلى الإقامة في خيمة متواضعة.
ويقول: "كان خالد إنسانًا طيبًا ومحبًا للجميع، يساعد كل من يحتاج إليه، ولم تمنعه ظروف النزوح والحياة في الخيمة من مواصلة دراسته وتحقيق النجاح".
وكانت نتائج الثانوية العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة قد أُعلنت قبل يومين، في مناسبة عادة ما تشكل محطة فرح كبيرة للعائلات الفلسطينية، التي تحتفل بنجاح أبنائها بعد سنوات من الدراسة والانتظار.
لكن الحرب المستمرة في قطاع غزة جعلت من فرحة النجاح مناسبة مثقلة بالخوف والحزن، بعدما حُرم كثير من الطلبة من مدارسهم، واضطروا إلى الدراسة في أماكن النزوح والخيام، وسط ظروف إنسانية قاسية.
أما أحمد البريم، ابن عم الشهيد، فيقول إنه وصل إلى منزل خالد قبل دقائق قليلة من استشهاده، حاملاً التهاني بنجاحه في الثانوية العامة.
ويضيف أن أقارب وأصدقاء خالد كانوا قد بدؤوا بالتوافد إلى المكان لتهنئته، في حين خرج الشهيد لجلب الحلوى والمشروبات، استعدادًا لاستقبال المهنئين والاحتفال بنجاحه.
لكن لحظات الفرح لم تكتمل.
يقول أحمد إن صاروخًا إسرائيليًا استهدف خالد، لينهي حياته، ويحوّل مناسبة التهنئة إلى مأساة.
ويتابع: "بدل أن نجلس ونأكل الحلوى ونحتفل بنجاحه، وجدنا أنفسنا ننقله إلى المستشفى في محاولة لإنقاذ حياته، لكنه فارق الحياة".
في مجمع ناصر الطبي، تحولت التهاني إلى دموع، والحلوى إلى جثمان، والنجاح الذي كان يفترض أن يفتح أمام خالد أبواب المستقبل إلى ذكرى أخيرة تختصر مأساة جيل كامل من طلبة غزة.
كان خالد قد أنهى مرحلة الثانوية العامة، وحقق نتيجة كان من المفترض أن تكون بداية طريق جديد في حياته، لكن الحرب اختطفت منه فرحة النجاح، كما اختطفت منه حياته.
وبعد وداعه في مجمع ناصر الطبي، شُيّع جثمان خالد البريم إلى مثواه الأخير، وسط حزن عائلته وأصدقائه وأبناء منطقته، الذين حضروا لتقديم التهاني، فإذا بهم يودعونه شهيدًا.

