حين يتلاقى الإصرار مع قسوة الظروف، يولد النجاح كأنه معجزة تعانق السماء. وسط واقع مرير فرضته أيام النزوح، وقسوة القصف، وغياب أبسط مقومات الحياة الهادئة، خطت الطالبة المتفوقة إسلام شعبان جراد (17 عاما) قصة نجاح ملهمة بحصولها على معدل 99.6% في شهادة الثانوية العامة للفرع العلمي، مثبتة أن العزيمة قادرة على كسر قيود المستحيل وصنع الأمل من بين ركام التحديات.
لم تكن طريق إسلام مفروشة بالورود، بل مليئة بالعقبات والعثرات التي تكفي لإحباط أقوى العزائم. تروي إسلام تفاصيل هذه الرحلة الصعبة لصحيفة "فلسطين" قائلة: "الظروف ما كانت سهلة أبدا، فقد مررنا بأوضاع سيئة تمثلت في النزوح، والقصف المستمر، وعدم توفر أماكن مناسبة للدراسة. لقد بدأت الدراسة في وقت متأخر مقارنة بالمعتاد، لكن دعم والدي ووالدتي ساعدني بشكل كبير لتجاوز هذه المرحلة الصعبة والمعقدة".
وتعترف إسلام بصعوبة الجانب النفسي خلال تلك الفترة، مضيفة: "طبعا الشعور باليأس كان شيئا طبيعيا وكنت أمر به دائما، وكنت أسأل نفسي مرارا: هل أنا قادرة حقا على إفراح أهلي بمعدل عالٍ؟".
وتتابع باستذكار دور والدتها المحوري: "كانت أمي السند الأول لي، وكانت متابعة معي بكل الأوقات وتسألني عن دراستي باستمرار. وطبعا الفضل الأكبر يعود لوالدي الذي دعمني في أصعب الأوقات التي كنت محتاجة فيها لكل دعم نفسي".
صناعة الأجواء من العدم
وعن أسلوبها في المذاكرة وسط غياب الأجواء الدراسية التقليدية، توضح إسلام أنها لم تلتزم بخطة جامدة: "كنت أصحو وقت الفجر أدرس حتى وقت المدرسة، ومن ثم أعود للدراسة بعدما أرجع من المدرسة. لم يكن لدي جدول أو برنامج محددان، وكنت أدرس حتى أدرك تماما أنني أصبحت غير قادرة على الاستيعاب".
وتشير إلى أنها على الرغم من عدم توفر أجواء الدراسة الهادئة، كانت تحاول جاهدة خلق بيئة خاصة بها لتعيش شعور مرحلة الثانوية العامة بكل تفاصيلها: "بتوترها، بتعبها، وجهدها".
وفي لفتة وفاء وعرفان، تقول إسلام: "أوهب هذا النجاح لأمي وأبي، لأنهما سهروا معي وتعبوا، وكانوا يعيشون معي كل لحظة بلحظتها".
أما عن طموحها المستقبلي، فتؤكد أن شغفها لم يتبدل يوما: "التخصص الذي أطمح لدراسته كنت مخططة له منذ سنوات الدراسة الأساسية، وهو طب الأسنان؛ فهو تخصص أحلامي".
وتوجه رسالة لكل زميلاتها قائلة: "لكل طالبة تطمح للنجاح، لا تقفي أبدا، لأن فرحة النجاح لا تضاهيها فرحة، ومن لديه هدف عليه أن يسعى لتحقيقه، لأن الحلم وإن طال سيتحقق".
الأب والأم.. سفينة العائلة إلى بر الأمان
خلف هذا الإنجاز تقف عائلة آمنت بابنتها حتى آخر لحظة. يعبر الوالد شعبان جراد (44 عاما) لصحيفة "فلسطين" عن مشاعره بكلمات ملؤها الفخر قائلا: "أشعر بالفخر الشديد لأنها تعبت من أجل الوصول إلى هدفها، وثابرت واجتهدت، ولكل مجتهد نصيب".
ويوضح الأب الجهود التي بذلتها العائلة لتوفير الحد الأدنى من مقومات الصمود: "وفرنا لها مكتب دراسة لتخوض أجواء الدراسة بهدوء قدر الإمكان، وفي فترة الامتحانات حاولت قدر المستطاع ألا أجعلها تحتاج للخروج إلى مكان خارج البيت لتقديم الامتحانات خوفا عليها، ووفرنا لها الإنترنت والكهرباء، والحمد لله".
ويختتم رسالته بالقول: "عدم الاستسلام، والتوكل على الله وبإذن الله ربنا ما بخذل أحدا، وأهم شيء أن ندعم أبناءنا ونؤمن بحلمهم وألا نبقي شيئا يقف عائقا أمام أهدافهم".
من جانبها، تصف الوالدة منيرة جراد (40 عاما)، لصحيفة "فلسطين"، تلك اللحظات بالقول: "كانت لحظات صعبة تراوحت بين الخوف، والأمل، والتفاؤل. ولما شفت النتيجة شكرت ربنا، وفرحت فرحة ليس لها مثل".
وعن أسلوب رعايتها لابنتها، تضيف الأم: "كنت متابعة لدراستها وأهتم بأدق التفاصيل في كل شيء؛ أدعمها دراسيا ونفسيا، وأحاول ألا أضغط عليها في دراستها، بل أتركها على راحتها وأحاول ألا أستنفذ طاقتها".
وتؤكد أن الدعم المستمر والإيمان بالحلم وتصديقه هما سر الحصاد.
ولم تكن رحلة إسلام مجرد رقم في قائمة المتفوقين، بل كانت تجسيدا حيا لقصة وطن يرفض الموت، وشهادة حية على أن جيل الصمود في قطاع غزة قادر على تحويل الركام إلى منصات للتتويج. فعلى الرغم من كل مقومات الإحباط التي أحاطت بها من كل جانب، أثبتت إسلام أن العلم هو السلاح الأبقى، والنور الذي يخرق أحلك الظلمات، لتترك بصمتها الواضحة في سجل الأمل الفلسطيني الذي يكتب بمداد من صبر وعزيمة لا تلين.
وتختتم "أم عدنان" حديثها ببيت الشعر الذي رافق إسلام طوال مسيرتها:
"لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله.. لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر"، مؤكدة أن إسلام اتخذت من هذا البيت شعارا لها، لتبلغ المجد وتعرفه بمعناه الحقيقي وسط العتمة.