بين جدران منزلٍ لم تعد قائمة، وذكريات غرفة كانت تحتضن أحلامها وكتبها ودفاترها، خرجت الطالبة دعاء مدحت أبو ليلة، لتحمل شهادة نجاحها لا كوثيقة تفوق فقط، بل كحكاية صمود كُتبت وسط الركام.
فمن بين أصوات القصف، وليالي النزوح، ووجع فقدان ابنة عمها "ليان" التي رحلت شهيدة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، استطاعت "دعاء" أن تحافظ على حلمها، وتواصل طريقها نحو العلم حتى اعتلت صدارة طلبة القطاع في فرع الريادة والأعمال بمعدل 95.6%.
وأعلن وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم، أول من أمس، نتائج امتحان الثانوية العامة للعام 2026، مبينا أن نسبة النجاح العامة في الضفة الغربية بما فيها القدس وطلبة الخارج بلغت 74%، فيما سيؤجل إعلان النسبة العامة لطلبة قطاع غزة إلى حين استكمال الدورة الثانية لأسباب تقنية، كما أعلن تأجيل تطبيق نظام الثانوية العامة الجديد إلى العام الدراسي 2027/2028.
محطات ثقيلة
لم تكن رحلة دعاء نحو النجاح مفروشة بطريق الدراسة المعتاد، بل مرت بمحطات ثقيلة من الألم والخوف؛ منزل دمرته طائرات الاحتلال، وأيام طويلة من التنقل بحثاً عن الأمان، وأسرة اضطرت إلى مشاركة غرفة واحدة خلال رحلة النزوح، فيما كانت كتبها ودفاترها رفيقة لها في أماكن مؤقتة لا تشبه مقاعد الدراسة.
ومع ذلك، تمسكت أبو ليلة، بقلمها لتؤكد أن التعليم في غزة أصبح عنوانًا للصمود في وجه محاولات تدمير مستقبل جيل كامل.
وقالت دعاء: إن عامها الدراسي الأخير كان من أصعب المراحل التي عاشتها، موضحة أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على تفاصيل حياتها اليومية، بدءًا من القصف والدمار وصولاً إلى النزوح المتكرر والتنقل بين مناطق مختلفة داخل القطاع، بحثاً عن مكان أكثر أمنًا.
وأضافت أبو ليلة لصحيفة "فلسطين": "بعد تدمير منزلنا المقابل لمدرسة المأمونية بمدينة غزة، فقدت المكان الذي كنت أدرس فيه، غرفتي التي كانت تجمع كتبي وأحلامي، وأصبحت الدراسة أكثر صعوبة مع عدم الاستقرار والانتقال المستمر من مكان إلى آخر، لكنني كنت مؤمنة بأن النجاح هو الرد على كل محاولات تدمير مستقبلنا".
ورغم الظروف القاسية، واصلت "دعاء" دراستها يوميًا لما يقارب ست ساعات، معتمدة على إرادتها الشخصية ودعم والديها، إلى جانب متابعة الدروس عبر منصة Microsoft Teams"" التي شكلت نافذة تعليمية للطلبة خلال الحرب، وفي ظل توقف التعليم الوجاهي وتدمير المدارس.
وتستعيد دعاء، في حديث لصحيفة "فلسطين" لحظة إعلان النتائج، قائلة: "كانت ليلة طويلة مليئة بالقلق والانتظار، لم أستطع النوم إلا لساعات قليلة، فقد كنت أفكر بالنتيجة وبكل التعب الذي مررت به خلال العام، حتى وصلت الرسالة إلى هاتف والدي تخبرنا بالمعدل، عندها تحولت لحظات الخوف إلى فرحة كبيرة".
وأشارت إلى أن نجاحها يحمل في داخلها ذكرى مؤلمة لابنة عمها "ليان" التي كانت تشاركها الدراسة قبل أن تستشهد خلال الحرب في السابع من ديسمبر/ كانون الأول عام 2023.
وقالت بحزن ظهر على وجهها: "كانت ليان، تدرس معي، وكانت قريبة مني، واليوم أفتقد وجودها كثيرًا، أهدي هذا النجاح لعائلتي ولروحها الطاهرة، وأسأل الله عز وجل، أن يرحمها ويسكنها فسيح جناته".
ورغم فقدان المنزل والأحبة، تتمسك أبو ليلة، بمواصلة طريقها الأكاديمي، مؤكدة أنها تسعى للالتحاق بالجامعة ودراسة أحد التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا، مثل الوسائط المتعددة أو تكنولوجيا المعلومات، للمساهمة في خدمة مجتمعها.
وترفض "دعاء" مخطط التهجير، قائلة: "نحن أصحاب هذه الأرض، وسنواصل تعليمنا وبناء مستقبلنا هنا، فالاحتلال حاول من خلال الحرب أن يجهلنا ويمحو هويتنا، لكن التعليم هو الطريق الذي نتمسك به".
وتوجه رسالة إلى الطلبة في غزة، قائلة: "لا تستسلموا للظروف، وواصلوا تعليمكم مهما كانت الصعوبات، فنجاحكم رسالة بأن شعبنا قادر على النهوض رغم الألم والدمار".
فرحة منقوصة
وبجانب ابنته، يقف والد دعاء، مدحت أبو ليلة، وعلامات الفخر والفرح ترتسم على وجهه، مؤكدًا أن تفوق ابنته جاء ثمرة إصرار واجتهاد طويل رغم الظروف الاستثنائية التي عاشتها الأسرة.
وقال أبو ليلة، لـ"فلسطين": "دعاء، كانت دائمًا متفوقة ومجتهدة، لكنها هذا العام واجهت ظروفًا لم يمر بها أي طالب من قبل، فقد دُمر منزلنا، وعشنا رحلة نزوح قاسية، وكانت العائلة بأكملها تقيم في غرفة واحدة، ومع ذلك أصرت على الدراسة وتحقيق النجاح".
وأضاف أن ابنته لم تكن فقط متفوقة دراسيًا، بل كانت حريصة على حفظ القرآن الكريم، وهو ما منحها قوة وصبرًا في مواجهة الصعوبات.
أما والدة دعاء، فتستعيد الأيام الأولى للحرب، مؤكدة أن ابنتها كانت منذ صغرها محبة للتعلم، وتقضي معظم وقتها في الدراسة.
وقالت لـ "فلسطين": "منذ فجر الثامن من أكتوبر عام 2023 بدأت معاناتنا مع النزوح بعد استهداف منزلنا، حيث تعرضت المنطقة لقصف عنيف وحزام ناري، وتحطم زجاج النوافذ ودخلت الشظايا إلى المنزل، وخرجنا منه بأعجوبة قبل أن يتم تدميره".
وتابعت: "هربنا وسط أصوات الصواريخ وصراخ الأطفال والمصابين في الشوارع، وانتقلنا إلى منزل أحد الأقارب، ثم اضطررنا للنزوح إلى وسط وجنوبي القطاع، وحتى هناك لم نشعر بالأمان، فقد تعرضنا للقصف في دير البلح ونجونا بأعجوبة بعد استهداف منزل مجاور لنا".