فلسطين أون لاين

رغم الفقد والنزوح.. عز الدين وفراس ينتزعان حلم النجاح

...
عز الدين وفراس ينتزعان حلم النجاح
غزة/ صفاء عاشور:

لم تكن نتائج الثانوية العامة هذا العام في قطاع غزة مجرد أرقام ومعدلات، بل كانت شهادات نجاة من عامين ثقيلين من الحرب والنزوح والفقدان.

ففي مدينة أنهكتها الغارات، وتحت سماء لا تهدأ فيها الطائرات الحربية الإسرائيلية، استطاع آلاف الطلبة أن يصلوا إلى لحظة إعلان النتائج بعدما خاضوا امتحانًا أصعب بكثير من أسئلة المنهاج؛ امتحان الصبر والبقاء.

ومن بين هؤلاء يبرز الطالبان عز الدين مشتهى وفراس شلح، اللذان جمعتهما الشجاعية وفرّقتهما تفاصيل الحياة.

 أحدهما يدرس داخل خيمة بعدما فقد والده شهيدًا في الأيام الأولى للحرب، والآخر يعيش في منزل لكنه يحمل على كتفيه أعباء أسرة أنهكتها الحرب ومتطلباتها اليومية.

وبين الخيمة والبيت، كانت المعاناة واحدة، والإصرار واحدًا، والنهاية أيضًا كانت واحدة: النجاح.

لم يكن عز الدين، الحاصل على معدل 72% في الفرع العلمي، يتخيل أن آخر عام دراسي في حياته المدرسية سيقضيه داخل خيمة للنزوح، بعيدًا عن منزله في حي الشجاعية الذي اضطر إلى مغادرته مع أسرته تحت وطأة القصف.

ومع بداية العدوان، فقد والده الذي استشهد في الأيام الأولى، لتتحول حياة الأسرة بالكامل، لم يعد هناك منزل يحتضن أحلامه، ولا غرفة هادئة يراجع فيها دروسه، ولا كهرباء أو مكتب أو حتى مصباح يرافقه في ساعات الليل الطويلة.

يقول عز الدين في حديث لصحيفة "فلسطين" :"أكثر شيء كان يتعبني هو الحياة في الخيمة، كنا نعاني من الحر الشديد والضجيج المستمر، ولا توجد كهرباء أو إنارة، كنت أدرس على ضوء كشاف الهاتف، ثم أذهب لشحنه عند أحد الأشخاص لأننا لا نملك أي مصدر للكهرباء".

ولم تكن الإضاءة وحدها مشكلته، بل إن الحصول على المياه كان معركة يومية تستنزف وقته وجهده.

ويضيف: "نقل المياه كان من أصعب الأمور، كنا نقضي وقتًا طويلًا في توفير احتياجات الحياة الأساسية، وبعدها أحاول أن أجد وقتًا للدراسة، لكن التعب كان يسبقني دائمًا".

وسط تلك الظروف، كان يواصل متابعة دروسه إلكترونيًا، مستعينًا ببعض المعلمين عبر الإنترنت، رغم التكاليف المادية التي أثقلت كاهل أسرته.

ويقول: "كانت هناك تكاليف للدروس ولشحن الإنترنت، لكن الحمد لله وجدنا من وقف إلى جانبنا وساعدنا حتى أكملنا الطريق".

أما المستقبل، فلا يخفي عز الدين قلقه منه، فالحرب لم تدمر البيوت فقط، بل أصابت الجامعات أيضًا.

ويقول بحزن: "الجامعات اليوم ليست كما كانت، الدراسة صعبة جدًا، والإمكانات محدودة، وكل شيء يحتاج إلى تكاليف لا نستطيع تحملها، لكنني ما زلت أتمسك بالأمل".

مسؤوليات تفوق عمره

وعلى الجانب الآخر ولكن ليس ببعيد عن المخيم الذي يعيش فيه عز الدين، كان الطالب فراس يخوض معركة مختلفة، فهو لم يعش داخل خيمة، لكنه وجد نفسه يتحمل مسؤوليات تفوق عمره بكثير.

حصل فراس على معدل 76% في الفرع الأدبي، بعد عام وصفه بأنه الأكثر إرهاقًا في حياته.

يقول في حديث لصحيفة "فلسطين:" لم تكن الدراسة وحدها هي همّي، كنت مسؤولًا عن كثير من الأعمال داخل البيت، أخرج لإحضار الاحتياجات، وأحمل المياه، وأقضي معظم وقتي في مساعدة أسرتي، ثم أعود لأحاول الدراسة".

ويضيف:" إخوتي جميعهم لديهم التزاماتهم، لذلك كنت أقوم بكثير من الأعمال، وهذا كان يضغط عليّ جدًا أثناء الدراسة."

ورغم أنه تابع جزءًا من تعليمه عبر المدارس والمراكز التعليمية، إلا أن الحرب جعلت انتظام الدراسة أمرًا شبه مستحيل.

فقد نزحت أسرته أكثر من مرة، كما تعذر عليه في مراحل سابقة الالتحاق بالتعليم الوجاهي، فاعتمد على الدراسة الإلكترونية كلما توفرت شبكة الإنترنت.

ويقول: "في فترات طويلة لم أكن أستطيع الذهاب إلى المدارس بسبب الظروف، لذلك كنت أتابع إلكترونيًا، لكن ذلك لم يكن سهلًا أيضًا".

ويستذكر فراس اللحظات الأخيرة قبل الامتحانات، حين فوجئ الطلبة بإعلان إجراء الاختبارات إلكترونيًا قبل نحو عشرين يومًا فقط من موعدها.

"كنا نستعد لامتحانات بالشكل المعتاد، ثم فوجئنا بأنها ستكون إلكترونية، وكان هذا جديدًا علينا جميعًا".

لكن المفاجآت لم تتوقف عند هذا الحد، إذ واجه في أثناء أحد الامتحانات مشكلة تقنية كادت تضيّع جهده.

ويقول:" في امتحان اللغة الإنجليزية حدث خلل، ولم تظهر لي مجموعة من الأسئلة، وظننت أن الامتحان علق، وبعدها اكتشفت أنني لم أجب عن عشرة أسئلة كاملة، وهذا أثّر على معدلي".

ورغم ذلك، يؤكد أنه راضٍ عن نتيجته، معتبرًا أن النجاح في هذه الظروف إنجاز بحد ذاته.

ولا يفكر فراس في الالتحاق بالجامعة مباشرة، بل يخطط لاستثمار الفترة المقبلة في اكتساب مهارات جديدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

ويقول:" سأؤجل الدراسة الجامعية قليلًا، وأستغل الوقت في تعلم دورات ومهارات جديدة، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي، حتى تتضح الظروف".

ورغم اختلاف تفاصيل حياة الطالبين، إلا أن قصتيهما تتشابهان في كثير من المحطات، فكلاهما نزح من منزله، وكلاهما عاش تحت ضغط الحرب، وكلاهما فقد البيئة التعليمية الطبيعية التي يحتاج إليها أي طالب ليستعد لامتحان مصيري.

لم تكن هناك مكتبات هادئة، ولا ساعات كهرباء منتظمة، ولا إنترنت مستقر، ولا مدارس تعمل بالشكل المعتاد، كانت الدراسة تتم أحيانًا بين أصوات الانفجارات، وأحيانًا على ضوء هاتف محمول، وأحيانًا بعد ساعات طويلة من الوقوف في طوابير المياه أو البحث عن الاحتياجات الأساسية.

ورغم كل ذلك، لم يسمح الطالبان للحرب بأن تكتب النهاية بدلاً عنهما.

لقد تحولت الثانوية العامة بالنسبة لطلبة غزة هذا العام إلى قصة صمود جماعية، تجاوزت مفهوم النجاح الأكاديمي إلى معنى أعمق؛ فكل طالب استطاع الوصول إلى قاعة الامتحان كان قد انتصر أولًا على الخوف، وعلى النزوح، وعلى الفقد، وعلى انقطاع التعليم، ثم خاض امتحانه.

قد لا يكون معدل 72% أو 76% رقمًا استثنائيًا في الظروف الطبيعية، لكنه في غزة يحمل وزن سنوات من الألم، ويختصر آلاف الساعات التي قضيت في ظروف لا تشبه أي بيئة تعليمية في العالم.

وبين خيمة فقدت معيلها، وبيت أثقلته أعباء الحرب، يواصل عز الدين وفراس رسم طريقهما نحو المستقبل، مؤمنين بأن ما تعلماه خلال الحرب لم يكن موجودًا في أي كتاب مدرسي؛ فقد تعلما كيف يصنع الإنسان الأمل من بين الركام، وكيف يمكن للإرادة أن تنتصر حتى عندما تبدو كل الظروف مهيأة للهزيمة.

المصدر / فلسطين أون لاين