فلسطين أون لاين

أحمد النفار.. من نزوح تسع مرات وفقد صديق إلى مقعد المتفوقين

...
الطالب أحمد رامي النفار
 غزة/ مريم الشوبكي:

لم يكن حصول أحمد رامي النفار على معدل 92.3٪ في الفرع العلمي مجرد نتيجة امتحان، بل كان تتويجاً لرحلة طويلة من الخوف والنزوح والفقد، انتهت بابتسامة امتزجت بدموع والدته التي كرّست كل ما تملك ليصل ابنها إلى هذه اللحظة.

داخل منزل العائلة في حي الثلاثيني بمدينة غزة، كان هاتف والدته يحمل الرسالة التي انتظرها الجميع. وما إن ظهرت النتيجة حتى قفز أحمد من شدة الفرح، واحتضن أمه، بينما كانت هي تبكي دون أن تتمكن من قول شيء.

يقول أحمد لصحيفة "فلسطين" : "كانت تبكي... لم أنتبه ماذا قالت، لكنني عرفت أن تعبها كله لم يذهب سدى".

كتب قبل الملابس

لم تكن الطريق إلى شهادة الثانوية العامة سهلة. فالحرب قلبت حياة أحمد رأساً على عقب، واضطرت عائلته إلى النزوح تسع مرات، وفي كل مرة كان يحمل كتبه قبل أي شيء آخر.

يقول أحمد لـ"فلسطين": "أول شيء كنت أجهزه قبل الملابس هو الكتب".

ويضيف أن الدراسة الفعلية تأخرت كثيراً بسبب الحرب وتعطل التعليم، فلم يبدأ الاستعداد الجدي للثانوية العامة إلا بعد أشهر، بينما كانت الدروس تتراكم عليه يوماً بعد آخر.

صديق غاب في الطريق

لكن أصعب ما واجهه أحمد لم يكن النزوح وحده، بل فقدان صديقه براء دلو، الذي استشهد بينما كانا في طريقهما إلى درس تأسيسي للثانوية العامة.

يروي أحمد تفاصيل اللحظة بصوت يملؤه التأثر: "كنت معه، ثم غبت عنه لدقيقتين فقط، وبعدها استُهدفت المنطقة واستشهد. كنت آخر شخص تحدث معه، وآخر من أمسك بيده، ولم تكن المسافة بيننا تتجاوز بضعة أمتار".

ويؤكد أن تلك الحادثة بقيت ترافقه طوال عام الثانوية العامة، حتى إنه قبل إعلان النتيجة بدقائق استحضر اسم صديقه أمام والدته، قائلاً إنه لم يستطع أن ينساه في أي لحظة.

ورغم الصدمة النفسية، اختار أحمد أن يكمل طريقه، معتبراً أن ما عاشه ليس استثناءً، بل جزء مما مر به معظم طلبة غزة.

ويقول: "كل طلاب غزة عاشوا أحداثاً صعبة، وهناك من مر بظروف أصعب مني".

هاتف وبدل الدروس

لم يكن النجاح ثمرة جهده وحده، بل كان ثمرة تضحيات والدته أيضاً. فمع ارتفاع تكاليف الدراسة، باع أحمد هاتفه الشخصي، واعتمد في دراسته على هاتف والدته، كما كانت تمنحه راتبها كاملاً الذي تتقاضاه من عملها في إحدى رياض الأطفال.

ويقول ممتناً: "أمي تعبت كثيراً معي... وهذا المعدل أهديه لها، وليس لأي شخص آخر".

وكان أحمد يفضل الدراسة ليلاً، فيما بقيت والدته تسانده نفسياً وتوفر له كل ما تستطيع رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسرة.

امتحانات تحت القصف

ولم تتوقف المخاطر حتى أثناء الامتحانات. ففي أحد الأيام، وبعد انتهائه من تقديم امتحان التكنولوجيا، وقع قصف قريب جداً من المكان الذي كان يغادره، ما أعاد إليه مشاهد الخوف التي رافقته طوال عام الدراسة.

ورغم كل ذلك، ظل أحمد متمسكاً بحلمه القديم. فشغفه الأكبر هو مادة الفيزياء، ويتمنى أن يصبح أستاذاً فيها يوماً ما.

ويأمل في الالتحاق بجامعة الأزهر في غزة إذا تمكن من توفير الرسوم الدراسية، أو الحصول على منحة خارج القطاع تتيح له استكمال تعليمه.

ويقول بثقة: "إذا جاءتني منحة فلن أرفضها، وسأستغلها لأكمل دراستي".

نجاح لعائلة كاملة

ويؤمن أحمد أن النجاح ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسؤولية أكبر، خاصة أنه الابن الأكبر في أسرته، وله شقيق سيخوض امتحانات الثانوية العامة في العام المقبل، وآخر يدرس في المرحلة الأساسية.

وبين صديق رحل، ونزوح متكرر، وقصف لم يتوقف، وأم بذلت هاتفها وراتبها من أجل حلم ابنها، يختصر أحمد معنى النجاح بكلمات قليلة، حين سُئل لمن يهدي تفوقه، فأجاب دون تردد: "لأمي... لأمي فقط، لا يخطر في بالي أحد غيرها".

المصدر / فلسطين أون لاين