لم تكن فرحة إعلان نتائج امتحانات الثانوية العامة «التوجيهي» في قطاع غزة شبيهة بأي عام مضى. فبدل أن تُستقبل النتائج في المنازل الآمنة، امتلأت خيام النزوح ومراكز الإيواء والمنازل المتضررة بالزغاريد والدموع، بعدما تمكن آلاف الطلبة الفلسطينيين من الوصول إلى النجاح رغم عام دراسي استثنائي فرضته الحرب والنزوح والدمار.
وفي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، تجمع طلبة وذووهم حول الهواتف وأجهزة الاتصال لمتابعة النتائج، فيما تحولت بعض الخيام ومراكز الإيواء إلى ساحات للاحتفال. وبينما كانت عائلات تستعيد شيئًا من الفرح الذي غاب عنها طويلاً، كانت أخرى تحتفل وسط منازل فقدت جدرانها أو تركتها الحرب غير صالحة للسكن.
اقرأ المزيد: بالأسماء.. "التعليم" تعلن نتائج الثانوية العامة
ويقول الطالب عبد الله المصري، الحاصل على معدل 97.3% لصحيفة "فلسطين"، إن الظروف القاسية التي عاشها خلال الحرب لم تكن سببًا في التخلي عن حلمه، بل تحولت إلى دافع إضافي لمواصلة الدراسة والاجتهاد.
اضطر المصري إلى النزوح من بيت حانون شمالي قطاع غزة إلى مدينة خانيونس جنوبي القطاع، في رحلة حملت معها الخوف وعدم الاستقرار، لكنها لم تنجح في إبعاده عن هدفه. وبين أماكن النزوح والظروف التعليمية الصعبة، واصل الدراسة بما توفر لديه من إمكانات، متمسكًا بحلم الوصول إلى الجامعة.

ويحلم المصري بدراسة الصيدلة، ومواصلة مسيرته التعليمية بما يمكنه مستقبلًا من خدمة أبناء شعبه الفلسطيني. ويهدي نجاحه إلى أهالي الشهداء والجرحى، معتبرًا أن فرحة التفوق لا يمكن فصلها عن الألم الكبير الذي يعيشه القطاع منذ اندلاع الحرب.
ويقول إن النجاح بالنسبة له ليس مجرد نتيجة حصل عليها في نهاية عام دراسي، بل ثمرة إصرار طويل على مواصلة الحياة والتعليم رغم النزوح والدمار والخوف. ويضيف أن الظروف التي عاشها آلاف الطلبة في غزة جعلت كل صفحة دراسية تُقرأ وكل امتحان يُقدّم بمثابة معركة خاصة من أجل التمسك بالمستقبل.
وعمت الأفراح مختلف أنحاء قطاع غزة وخيام النزوح، بعد إعلان نتائج الثانوية العامة في الأراضي الفلسطينية، أمس، حيث خرج الطلبة وذووهم للاحتفال بما استطاعوا تحقيقه في ظل ظروف استثنائية ألقت بظلالها على العملية التعليمية برمتها.
وفي أحد مراكز الإيواء، لم تخفِ خلود الشنا فرحتها بنجاح ابنها محمد، الذي حصل على معدل 85% في الفرع الأدبي. تقول إن النتيجة أدخلت البهجة إلى قلوب أفراد العائلة، بعد أشهر طويلة من المعاناة التي عاشوها منذ فقدان منزلهم في بداية الحرب.
وتوضح الشنا لـ"فلسطين" أن عائلتها تنقلت خلال فترة الحرب بين أماكن مختلفة، وعاشت ظروفًا قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء، في ظل غياب الاستقرار وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية. لذلك، كان إعلان نجاح محمد لحظة استثنائية أعادت إلى الأسرة شيئًا من الفرح الذي غاب عنها منذ بداية الحرب.

وتقول إن ابنها لم يكن يدرس في ظروف طبيعية، لكنه تمسك بتعليمه، واستمر في محاولة تحقيق النجاح رغم النزوح وتبدل أماكن الإقامة، مؤكدة أن فرحته اليوم تمثل فرحة العائلة بأكملها، ورسالة بأن التعليم ما زال حاضرًا رغم كل ما تعرض له قطاع غزة.
أما الطالب عز الدين الزقزوق، الحاصل على معدل 86%، فاختار أن يهدي نجاحه إلى روح والده الذي استشهد خلال الحرب، وإلى جميع الشهداء والجرحى والأسرى الفلسطينيين.
ويقول الزقزوق لـ"فلسطين" إن والده كان حاضرًا في كل مراحل حياته، وإن غيابه جعل لحظة النجاح ممزوجة بالفرح والحزن في آن واحد. وبينما يحتفل بنجاحه، يستحضر والده وكل من فقدوا حياتهم خلال الحرب، مؤكدًا أن نجاحه هو أيضًا وفاء لذكراهم.
ويتطلع الزقزوق إلى دراسة الطب، والعمل مستقبلًا على إنقاذ أبناء شعبه، الذين يقول إنهم يتعرضون للقتل والإبادة منذ نحو ثلاثة أعوام. ويرى أن حلمه المهني مرتبط بواقع غزة، حيث يحتاج آلاف المرضى والجرحى إلى الأطباء والمستشفيات والرعاية الصحية.

وفي خانيونس، كما في مختلف مناطق القطاع، لم تكن نتائج الثانوية العامة مجرد أرقام أو معدلات دراسية. فقد تحولت إلى لحظات نادرة من الفرح الجماعي، وإلى مساحة لاستعادة الأمل وسط واقع مثقل بالدمار والنزوح والفقد.
وبين طالب نزح من شمال القطاع إلى جنوبه، وأم تحتفل بنجاح ابنها بعد فقدان المنزل، وشاب يهدي تفوقه إلى روح والده الشهيد ويحلم بأن يصبح طبيبًا، بدت حكايات الناجحين في غزة امتدادًا لمعركة أخرى يخوضها الفلسطينيون: معركة الحفاظ على التعليم، والتمسك بالمستقبل، وإثبات أن الحرب، مهما اشتدت، لا تستطيع إطفاء أحلام جيل كامل.

