قائمة الموقع

من ركام الزيتون إلى رمال البحر.. "الخط الأصفر" يطارد معاذ في رحلة نزوح جديدة

2026-07-24T13:42:00+03:00
الشاب معاذ العمصي
فلسطين أون لاين

لم يكن الشاب معاذ العمصي (35 عاما) يعلم أن فصول مأساته التي بدأت مع تدمير منزله المكون من خمسة طوابق، ستكتب أحدث فصولها على رمال شاطئ غزة الباردة.

فبعد أن سلبته آلة حرب الإبادة الجماعية منزله، وخطفت ثلاثة من أشقائه شهداء، جاء ما يسمى "الخط الأصفر" ليعيد تدوير معاناته، ويجبره على رحلة نزوح جديدة، قسرية وقاسية.

على صوت إطلاق النار الكثيف وأزيز القذائف الإسرائيلية التي لم تتوقف، أدرك معاذ أن الموت قد اقترب من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، بعد أن زحف "الخط الأصفر" الذي يفرضه الاحتلال حدًا لعملياته نحو شارع صلاح الدين.

يقول معاذ لصحيفة "فلسطين": "لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير، كان الخيار الوحيد هو محاولة النجاة. نزحت مع زوجتي وطفلي الرضيع قبل أيام تحت جنح الظلام، وسط حالة من الذعر والرعب. لم نتمكن من حمل أي شيء، لا حوائجنا، ولا حتى خيمتنا البسيطة التي كانت تؤوينا، ولا أي من مقتنياتنا الأساسية التي نقتات بها".

في مهب الريح

انطلق معاذ وأسرته الصغيرة إلى "حيث لا يعلمون"، وجهة مجهولة فرضها ضيق المساحات وكثافة النيران. انتهى بهم المطاف على شاطئ البحر، يصارعون العراء والجوع والبرد.

يضيف بصوت متهدج: "بتنا ليلتين على رمال الشاطئ، لا سقف يظلنا ولا غطاء يحمي طفلنا الرضيع من رطوبة الليل. تواصلنا مع من نعرفهم من الأقارب والأصدقاء، لكن أحدا لم يستطع مساعدتنا؛ فكلهم فقدوا منازلهم، ويعيشون في خيام مهترئة أو في ظروف بالغة الصعوبة لدى أقاربهم. الجميع هنا منهك، والجميع في دائرة الخطر".

وما يفاقم وجع معاذ هو شعوره بالخذلان المطلق، إذ لم تلتفت أي جهة إغاثية أو مؤسسة دولية لحالهم، ولم تمتد لهم يد العون أو المواساة. يتساءل معاذ بحرقة: "أين دور المؤسسات الدولية والحقوقية؟ أين هم من هذه المعاناة؟ حالتي كحال المئات الذين نزحوا في تلك الليلة المشؤومة، نعيش في العراء وكأننا لسنا بشرا، أو أن دماءنا رخيصة لا تستحق الالتفات".

تزداد مأساة معاذ تعقيدا مع ظروف الطقس، حيث لا توجد خيام تقي من أشعة الشمس الحارقة نهارا، ولا ملابس تقي من برد الليل الرطب على شاطئ البحر. وبينما يحاول معاذ البحث عن طعام شحيح أو مياه صالحة للشرب وسط شح المساعدات وتوقف عمل المؤسسات الإغاثية في مناطق التوغل، يقف عاجزا أمام نظرات طفله الرضيع الذي لا يدرك أبعاد هذه النكبة، لكنه يعاني من تبعاتها في جسده الصغير.

يصف معاذ الوضع قائلا: "نحن لا نعيش، نحن فقط ننتظر الدور؛ إما رصاصة مباغتة، أو جوعا ينهش أمعاءنا، أو بحرا ابتلع كل شيء ونحن نقف على ضفافه نراقب زوال حياتنا".

"حبر على ورق"

يستحضر معاذ مشاهد الحرب التي التهمت تاريخ عائلته، حيث فقد منزله المكون من خمسة طوابق، وارتقى ثلاثة من أشقائه، ليتشتت ما تبقى من أفراد العائلة في خيام متفرقة. يؤكد أنه حاول مرارا العودة للاستقرار بجانب ركام منزله أملا في "أمان موهوم"، لكنه اكتشف أن اتفاقيات وقف إطلاق النار ليست سوى "حبر على ورق".

يتابع: "نعيش كل يوم وكل ليلة في حالة من الرعب النفسي، إطلاق النار لا يتوقف، خاصة مع حلول الليل الذي يتحول إلى كابوس حقيقي. والآن، ومع اقتراب الخط الأصفر، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولم يعد لنا مكان نلجأ إليه سوى البحر".

يختتم معاذ حديثه بتساؤلات يوجهها للعالم، وهو ينظر إلى الأفق المظلم من شاطئ غزة: "إلى متى سيستمر هذا الزحف؟ وما الذي يريده الاحتلال منا؟ ألا تكفيه الدماء التي سفكها والمجازر التي ارتكبها بحقنا؟ إلى متى هذا الصمت المخجل من المجتمع الدولي؟ وأين العرب، أين نخوتهم مما يحصل لنا؟".

تبقى قصة معاذ العمصي واحدة من آلاف القصص التي تكتب بدماء النازحين ودموعهم، في وقت تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية تمددها، ضاربة بعرض الحائط بكل المواثيق الدولية، تاركة المدنيين الفلسطينيين يواجهون قدرهم بين ركام منازلهم وموج البحر.

اخبار ذات صلة