غزة/ يحيى اليعقوبي:
"هذه آخر مرة ستراني فيها، أحضروني إلى هنا كي يقتلوني، لا أرى نفسي حيًا، هذه هي النهاية".. من داخل زنزانة العزل الانفرادي في سجون الاحتلال الإسرائيلي، طرق الدكتور الأسير حسام أبو صفية بهذه الكلمات، أبواب الضمير الإنساني الدولي المغلقة أمام صرخاته بالرغم من تدهور حالته الصحية من جراء تعرضه لتعذيب ممنهج بهدف تصفيته، وسط تساؤلات عن مدى مناصرة منظومة القوانين الدولية لطبيب أطفال يحاكم على أنه "مقاتل غير شرعي".
بمعطفه الأبيض سار أبو صفية، الذي كان يشغل مدير مستشفى كمال عدوان في شمالي قطاع غزة، بين ركام المنازل المدمرة متجهًا إلى إحدى الآليات العسكرية بطلب من أحد قادة جيش الاحتلال يوم اعتقاله من أمام المستشفى. وقد بقيت الصورة حاضرة في الضمير الإنساني العالمي لتمثل أيقونة تعبر عن صمود طبيب كرس حياته لعلاج جرحى الحرب ورفض مغادرة المستشفى على الرغم من شراسة القصف، إلى أن اعتُقل وزُج به في زنازين الاحتلال، حيث يحاكم على تهم لا تشبه مهنته.
وسط هذا كله، تتكشف قصة الطبيب أبو صفية الذي تحوّل من منقذٍ للأطفال ومسعف للمصابين إلى هدفٍ للاعتقال والتعذيب وحملات التشويه، في مشهد يعكس تعمد الاحتلال استهداف المنظومة الطبية والعاملين فيها.
وبعد نحو عام ونصف العام على اعتقاله في ديسمبر/ كانون أول 2024، ظهر الطبيب أبو صفية في جلسة محاكمة يوم 10 يونيو/ حزيران 2026، مقيد اليدين والقدمين وفي حالة صحية متدهورة بشكل لافت عبر اتصال بفيديو أجراه مع المحكمة من داخل زنزانته.
عقب جلسة المحاكمة نقل أبو صفية لمحاميه ناصر عودة، أن خمسة سجانين هاجموه بالضرب المبرح بالأيدي والهراوات والشواكيش، دون أن يقدموا له علاجًا.
اعتداء ممنهج
ويتعرض الطبيب أبو صفية لاعتداء وحشي ممنهج ومتكرر داخل سجون الاحتلال، حيث تمكن محاميه عودة من زيارته في 6 يوليو/ تموز 2026، ليجده مكبل اليدين والقدمين، ويواجه صعوبة كبيرة في الحركة والتنقل. كما يواجه خطرًا شديدًا إثر تعرضه لإصابات في الرأس والوجه، وسببت له صعوبة في التنفس.
وفي دليل آخر يكشف حجم العزلة التي يعيشها الطبيب أبو صفية، كان أبو صفية قد طالب محاميه بإيصال رسالة لمراسل قناة "الجزيرة" أنس الشريف، مفادها أن يهتم بمعاناة الأسرى، وهو نفسه لا يعلم أن الزميل الصحفي الشريف قد اغتالته طائرات الاحتلال يوم 10 أغسطس/ آب 2025، في غارة جوية ليلية استهدفت خيمة قناة الجزيرة أمام مجمع الشفاء الطبي، واستشهد معه طاقم كامل كان يعمل لصالح القناة.
وطوال الحرب ظلّ أبو صفية صامدًا في شمال قطاع غزة، رافضًا النزوح وترك المرضى والمصابين إلا بتوفير "ممر آمن" لهم. ولم يرضخ لتهديدات الاحتلال، ودافع عن مهنته الإنسانية في أقسى الظروف، حين كانت الدبابات تقف على مقربة من المستشفى، وحين كان الموت أقرب إليه من الحياة، في حين كان القصف وإطلاق النار يطوقان المكان، ليدفع اليوم ثمن موقف الإنساني بعدم ترك المرضى.
وبثباته، استطاع أبو صفية أن يعكس وجهًا آخر لصمود غزة في خضّم حرب الإبادة، بعدما تُرك وحيدًا مع الطاقم الطبي بلا مقومات أساسية، وبلا طعام وماء أو دواء. وفي آخر صرخة له قال: "نحن نموت ولا أحد يشعر بنا".
وعلى الرغم من مرور أكثر من عام ونصف العام على اعتقاله، وتدهور حالته الصحية حتى صارت حياته مهددة، وتصاعدت مع ذلك الحملات التضامنية المطالِبة بالإفراج عنه، في حين يواصل الاحتلال معاقبة أبو صفية بكل الوسائل؛ تعذيب جسدي ونفسي، ومحاولات لا تتوقف لتشويه صورته ورمزيته العالمية كأيقونة للصمود والإنسانية، وسط تحذيرات من تصفيته.
ولا تزال صورته التي التُقطت وهو يرتدي معطفه الأبيض، ويشق طريقه شامخًا وسط الركام والدمار، متجهًا نحو آلية عسكرية إسرائيلية اعتقلته واقتادته إلى معسكر "سديه تيمان" ثم إلى سجن "عوفر"، محفورة في الذاكرة الجمعية والرأي العام الدولي، في مشهد يحاول الاحتلال طمسه عبر إلصاق تهم مختلفة به.
"لا أعرف تهمتي"، هكذا ردّ أبو صفية على سؤال مراسل القناة الإسرائيلية "13"، حين ظهر لأول مرة في تسجيل بثته وسائل إعلام عبرية في فبراير/ شباط 2025، مكبل اليدين والقدمين، وبملامح إرهاق شديد، بعد تعرضه للتعذيب والتجويع.
أيقونة الصمود
وشكلت حملات التضامن الدولية المطالِبة بالإفراج عن أبو صفية، كما يقول نجله إلياس، ضغطًا كبيرًا على الاحتلال الإسرائيلي، وأسهمت في كشف صورته الحقيقية أمام العالم، لاسيما ممارساته الوحشية بحق الأسرى، وخاصة الكوادر الطبية.
ويؤكد إلياس لصحيفة "فلسطين"، أن جيش الاحتلال لجأ إلى نشر ادعاءات كاذبة تتناقض مع حقيقة أن والده أسير طبيب، شأنه شأن نحو 375 طبيبًا معتقلًا داخل سجون الاحتلال، اعتُقلوا فقط لأنهم كانوا يؤدون واجبهم الإنساني في تقديم الخدمة الطبية.
وردًا على صورة نُشرت لوالده يظهر فيها ضمن كوادر الخدمات الطبية العسكرية، يوضح إلياس أن والده كان موظفًا رسميًا في السلطة الفلسطينية، خدم في رام الله والضفة الغربية، وعُيّن في جهاز الخدمات الطبية العسكرية، وهو جهاز يتبع مباشرة لوزارة الصحة. وأكد أن والده موظف شرعي، كغيره من الأطباء المدرجين على قوائم الوزارة، عمل على خدمة المتقاعدين والمدنيين، في مسيرة طبية مهنية بحتة لا علاقة لها بأي نشاط عسكري أو تحريضي، خلافًا لما يروّجه الإعلام العبري.
وبينما يواجه الطبيب أبو صفية خطر التصفية خلف القضبان، تعيش زوجته إلبينا سعد الله أبو صفية، في ظروف نفسية عصيبة، إذ لم تعتد تركه منذ أن ارتبطت به قبل 27 عامًا، فلم تكن تعرف فلسطين ولا غزة، إلا عندما تزوجت الدكتور أبو صفية قادمة من كازاخستان في أثناء دراسته للطب هناك. فكان لها وطنًا وشريك حياةٍ، وهبته قلبها كما وهبت غزة حبها وعاشت فيها عمرًا طويلاً.
ورافقته زوجته بمحطات كثيرة خلال الحرب، وعاشت معه التجويع والتشرد والحصار حتى آخر اللحظات في مستشفى كمال عدوان، وعايشا معًا لحظة استشهاد نجلهما إبراهيم في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
وعلى مدار سنوات ارتباطهما، رزقا بستة أبناء كانوا ثمرة زواج امتد لأكثر من 27 عامًا، عاشا خلالها في حبٍ وصبر وتضحية.
وكان أبو صفية قد درس الطب العام في كازاخستان عام 1996، وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه عامي 2003 و2004 في الولادة الحديثة وحضانة الأطفال وحصل على البورد الفلسطيني عام 2015 في طب الأطفال.
أجبرته الحرب بسبب نزوح الطواقم الطبية، على المشاركة في إسعاف المصابين، وشارك وفق زوجته، في إجراء عمليات جراحية برفقة الدكتور سعيد جودة، الذي استشهد خلال الحرب، وهو طبيب متقاعد تطوع في إجراء العمليات، وقاموا بإجراء عمليات ضرورية، وتخدير وغيرها من العمليات.
وحكاية الطبيب أبو صفية لا تعكس عند حدود معتقل واحد في سجون الاحتلال، بل مرآة تعكس واقع آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، الذين يواجهون خلف القضبان صنوفًا قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من أبسط حقوق الحياة.

