تُذكّر غزة العالم كل يوم بأنها ما تزال معلّقة، من دون حسم لوضعها الإداري، بعدما حلّت لجنة متابعة العمل الحكومي نفسها، وشرعت في ترتيب تسليم المسؤوليات التنفيذية إلى اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة القطاع.
لم تكن الخطوة إدارية عابرة؛ فقد وضعت مؤسسات مثقلة بالحرب، وخدمات بالكاد تعمل، وموظفين ينتظرون وضوحًا بشأن مرجعيتهم ومستقبلهم، أمام مرحلة انتقالية مفتوحة بلا جدول زمني.
ورغم اتخاذ ترتيبات مؤقتة لمنع الفراغ وضمان استمرار ما تبقى من الخدمات، فإن إطالة الانتظار تحمل مخاطر جدية. فالإدارة لا تستطيع البقاء طويلًا في منطقة بين الحل والتسليم، ولا يمكن مطالبة جهاز حكومي أنهكته الحرب بإدارة احتياجات السكان من دون غطاء سياسي ومالي واضح.
كان حل اللجنة الحكومية خطوة فلسطينية عملية لتهيئة المجال أمام اللجنة الوطنية، واستجابة لمسار سياسي تقوده خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن الخطوة المقابلة لم تأتِ حتى الآن.
فبحسب معطيات متداولة عن اجتماعات مغلقة عقدها «مجلس السلام» في مدينة آيا نابا القبرصية، تركز النقاش على إطلاق مشروع تجريبي في رفح، يقوم على انسحاب إسرائيلي محدود داخل «الخط الأصفر»، ودخول اللجنة الوطنية إلى المنطقة، بالتزامن مع نشر قوة الاستقرار الدولية.
غير أن المشروع بقي معلقًا: لا موافقة إسرائيلية نهائية، ولا توقيع على اتفاق وضع القوات «SOFA»، الذي يفترض أن يحدد الوضع القانوني للقوات الدولية وصلاحياتها، ولا جدول زمني لدخول اللجنة، ولا التزامات مالية كافية لبدء العمل. وتشير المعطيات كذلك إلى تعليق تعهدات تمويلية تُقدّر بنحو 17 مليار دولار، ما أضاف عقبة مالية إلى المأزقين السياسي والميداني.
وتكشف النقاشات داخل المجلس عن خلاف يتجاوز التفاصيل التقنية؛ فهناك اتجاه يدفع إلى بدء تجربة محدودة في رفح، مقابل اتجاه يحذر من تحول الخطوة إلى إدارة منفصلة لمنطقة صغيرة، بما يكرس تقسيم غزة ويفتح الباب أمام نقل السكان إليها، بدل تمكين اللجنة الوطنية من إدارة القطاع كاملًا.
وهنا تصبح رفح أكثر من مجرد مشروع تجريبي؛ إنها اختبار لجوهر الخطة نفسها: هل يراد للجنة الوطنية أن تكون إدارة فلسطينية انتقالية لقطاع غزة بوصفه وحدة جغرافية وسياسية واحدة، أم غطاءً مدنيًا لترتيبات جزئية تُنفذ داخل المناطق التي يحددها الاحتلال؟
وبحسب المعلومات المتداولة، عبّر ممثلو اللجنة، وإن بصورة خجولة، عن رفضهم تقسيم القطاع، وتمسكهم بضرورة الربط بين الانسحاب الإسرائيلي، وتسلم الإدارة، وإعادة الإعمار، وترتيبات السلاح. وهذا موقف بالغ الأهمية؛ لأن فصل هذه الملفات يمنح الاحتلال فرصة انتقاء ما يخدم أهدافه الأمنية، من دون الوفاء بالتزاماته السياسية والميدانية.
بعد حل اللجنة الحكومية، لم يعد مقبولًا أن تظل اللجنة الوطنية صامتة. المطلوب منها أن توضح ما يمكن نشره عن اجتماعاتها واتصالاتها، وما الذي يمنعها من الدخول إلى غزة، ومن يتحمل مسؤولية تأخير اتفاق القوات والتمويل والانسحاب. فغياب المعلومات لا يحمي المسار، بل يترك المجال للاحتلال كي ينقل مسؤولية التعطيل إلى الجانب الفلسطيني.
وقبيل زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، ينبغي تثبيت حقيقة واضحة أمام وسائل الإعلام والدوائر السياسية الغربية: الجانب الفلسطيني اتخذ خطوة فعلية، وتحمل تبعات إدارية وخدمية من أجل إنجاح الانتقال، بينما لم تقدم حكومة الاحتلال استحقاقًا مقابلًا.
الكرة اليوم ليست في ملعب غزة. الاختبار الحقيقي أمام الإدارة الأميركية و«مجلس السلام»: إما الضغط من أجل انتقال متزامن ومنظم يشمل القطاع كاملًا، وإما ترك المؤسسات والسكان في انتظار مفتوح، بينما تتحول الخطة من مسار لإنقاذ غزة إلى أداة جديدة لإدارة أزمتها وتكريس تقسيمها.