تتوالى الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك من قبل أذرع الاحتلال المتطرفة وعناصره الأمنية، ويشهد المسجد المبارك استهدافًا ممنهجًا لمكوناته البشرية، وتصاعدًا مطّردًا في اقتحاماته، وما يتصل بهذه الاقتحامات من أداءٍ علنيٍّ للطقوس اليهودية، والرقص والغناء، حيث تسعى أذرع الاحتلال إلى تثبيت الوجود اليهودي في الأقصى، وصولًا إلى اقتطاع أجزاء من المسجد في الطريق نحو هدف الاحتلال الأكبر، المتمثل ببناء "المعبد المزعوم". وتشهد الأعياد والمناسبات اليهودية أقسى الاعتداءات على المسجد، حيث رسختها أذرع الاحتلال مواسم للعدوان على المسجد ومكوناته البشرية، ومن أبرز هذه المناسبات ذكرى "خراب المعبد"، التي تُشكّل أنموذجًا لتنفيذ كل أنواع العدوان على الأقصى، وتحقيق قفزاتٍ في أعداد المقتحمين، وفي مجمل أشكال العدوان على المسجد.
"خراب المعبد": من يوم للحداد إلى محطة لتأسيس "المعبد"
بحسب موسوعة الراحل المسيري، تُعدّ ذكرى "خراب المعبد" يوم صوم وحداد عند اليهود، في ذكرى سقوط القدس وهدم المعبدين الأول والثاني، بحسب المزاعم اليهودية، إذ تُشير الأساطير التوراتية إلى أنهما هُدما في التاريخ نفسه، مع فارق زمني امتدّ لخمسة قرون، فقد وقعت هذه الحوادث، بحسب رواياتهم، في التاسع من "آف" في التقويم العبري. ويُشير الباحث في شؤون القدس، زياد ابحيص، إلى تحول هذه المناسبة إلى تجسيد مباشر لتدمير "المعبد" الأول والثاني، وإلى أن "منظمات المعبد" تتعامل مع هذه المناسبة بوصفها "محطة لتجديد العهد بتأسيس "المعبد" المزعوم في مكان المسجد الأقصى"، والتعبير عن ذلك بفرض أكبر اقتحام سنوي للمسجد الأقصى.
قراءة في تصاعد أعداد المقتحمين في هذه الذكرى
أشرنا آنفًا إلى تحول هذه المناسبة إلى المحطة الأبرز لتحقيق أكبر اقتحامٍ للمسجد الأقصى، ففي العام الماضي اقتحم المسجد 3969 مستوطنًا، بالتزامن مع هذه الذكرى، في 3/8/2025، من بينهم نحو 3022 مستوطنًا خلال الفترة الصباحية فقط، وسط انتشار أمني كثيف من قبل شرطة الاحتلال. ومما أسهم في تصاعد أعداد المقتحمين سماح شرطة الاحتلال بدخول ستة أفواج استيطانية بشكل متزامن، وهو ما ينعكس على تكثيف الوجود اليهودي داخل المسجد في وقت واحد. وفي مقارنة مع هذه الذكرى اليهودية في عام 2024، اقتحم الأقصى نحو 2958 مستوطنًا، أي إنها حققت زيادة تبلغ نحو 32.3%. وتسعى أذرع الاحتلال في عام 2026 إلى تحقيق قفزة جديدة، حيث أعلنت أذرعها المتطرفة عزمها حشد أكثر من 5 آلاف مستوطن في اقتحام اليوم (الخميس 23/7/2026)، في سياق تجاوز رقم العام الماضي، وتحقيق الرقم القياسي في العدوان على المسجد.
وخلال السنوات الماضية، حرصت أذرع الاحتلال على تسجيل أرقامٍ قياسية في هذه الذكرى، وفي النقاط الآتية أبرز أعداد مقتحمي الأقصى ما بين عامي 2022 و2025:
في عام 2022 اقتحم الأقصى نحو 2200 مستوطن.
في عام 2023 اقتحم الأقصى نحو 2180 مستوطنًا.
في عام 2024 اقتحم الأقصى نحو 2958 مستوطنًا.
في عام 2025 اقتحم الأقصى نحو 3969 مستوطنًا.
قُبيل "خراب المعبد": تحشيد سياسي وميداني
تُكثّف "منظمات المعبد" تحضيراتها لموجة العدوان على الأقصى بالتزامن مع "خراب المعبد"، وتستند في هذه التحضيرات إلى غطاء سياسي رسمي برز من خلال تنظيم مؤتمر في "الكنيست" خلال الأسبوع الماضي، شارك فيه عددٌ من وزراء حكومة الكيان وأعضاء في "الكنيست"، طالبوا خلاله بتغيير "الوضع القائم"، ومنع المسلمين من الوصول إلى الأقصى بشكلٍ كامل. وقد تعمدت هذه المنظمات تحويل ذكرى "خراب المعبد" إلى محطة لـ"البناء"، وتجديد العهد بتأسيس "المعبد" المزعوم.
أما على أرض الواقع، فتتابع أذرع الاحتلال المتطرفة تحضيراتها، حيث عقدت "منظمات المعبد" مؤتمرها السنوي لتنسيق الأدوار بين نشطائها، ولتسهيل تدفق المقتحمين، ونشرت أذرع أخرى متطرفة إعلانات وتعليمات مفصلة لأوقات اقتحام الأقصى ومساراته، بالتزامن مع محاولات متكررة لإزالة لافتة الحاخامية الرسمية عند باب المغاربة، التي تحظر دخول اليهود إلى الأقصى، لضمان مشاركة أوسع في الاقتحامات. ومن أخطر ما جرى في الأيام الماضية نقش شعار "المخلّص" التوراتي على حجارة داخل ساحات الأقصى الشرقية.
وفي خطوة تصعيدية أخرى، دعا "اتحاد منظمات المعبد الثالث" إلى تنظيم ما أسماه "مسيرة السيادة" مساء الأربعاء، عشية الاقتحام المرتقب، حيث من المقرر أن تجول المسيرة حول أبواب البلدة القديمة، منطلقةً من مقبرة مأمن الله التاريخية وصولًا إلى ساحة البراق، على غرار "مسيرة الأعلام" الاستيطانية. وترافقت هذه الدعوات مع رفع المنظمات سقف مطالبها، عبر توجيه رسائل رسمية لرئيس حكومة الاحتلال ووزير أمنه القومي، للمطالبة بفتح أبواب الأقصى لاقتحام ليلي في تمام الساعة الحادية عشرة من مساء الأربعاء، في ختام المسيرة.
الأقصى في دائرة الاستهداف: ما هي الانتهاكات المتوقعة؟
بناءً على استقراء ما قامت به أذرع الاحتلال من عدوانٍ على الأقصى خلال الأشهر الماضية، ومن خلال جملة من الاعتداءات التي نفذها المستوطنون خلال اقتحام الأقصى في ذكرى "خراب المعبد"، من المتوقع أن يشهد المسجد اقتحاماتٍ حاشدة، بمشاركة سياسية وحاخامية واسعة، حيث يحرص أعضاء في "الكنيست"، وعددٌ من وزراء الكيان، على المشاركة في اقتحامات الأقصى، ومن بينها اقتحامات ذكرى "خراب المعبد".
وخلال العام الماضي، بدأت شرطة الاحتلال بفتح المجال أمام تصعيد أعداد مقتحمي الأقصى، من خلال تقليص الوقت ما بين دخول الفوج والذي يليه، حيث انخفضت المدة من نحو نصف ساعة إلى أقل من عشر دقائق، وهو ما انعكس على وجود ستة أفواج من المقتحمين بشكلٍ متزامن، ورفع، بطبيعة الحال، من أعداد مقتحمي الأقصى خلال اليوم نفسه، حيث ترفع شرطة الاحتلال أعداد الفوج الواحد من نحو 30 مستوطنًا إلى أكثر من 200، ما يُنبئ بتحقيق أذرع الاحتلال المتطرفة قفزة جديدة في أعداد المقتحمين، إضافةً إلى أداء الطقوس العلنية، والرقص والغناء بشكلٍ جماعي.
ومن أبرز الاعتداءات المتوقعة أداء المستوطنين طقوسًا تلمودية علنية في ساحات المسجد الشرقية، وفي عدد من مواضع المسجد، بشكل جماعي، ومن الطقوس التي يؤديها المستوطنون في هذه الذكرى طقوس "بركة الكهنة"، و"السجود الملحمي" الكامل، إلى جانب طقس "الشماع"، وتلاوة مراثي "إرميا". كما من المتوقع أن يحاول المستوطنون إدخال الأدوات الدينية اليهودية، خاصة أنهم بدأوا، في بداية عام 2026، بإدخال أوراق تحمل طقوسهم وصلواتهم، ما سيُشجعهم على إدخال المزيد من هذه الأدوات، وفي مقدمتها تميمة "التيفلين"، وشال "طاليت"، وغيره.
أخيرًا، سيُنشر هذا المقال بالتزامن مع اقتحامات ذكرى "خراب المعبد"، وبعيدًا عن أي تطورات سيشهدها المسجد الأقصى، إلا أن السؤال المُلحّ هنا يدور حول الاستجابة الفلسطينية في القدس المحتلة تجاه هذا العدوان، وما يخطط له الاحتلال، وعن ضرورة إعادة إحياء حالة المواجهة الشعبية تجاه تصاعد العدوان على المسجد الأقصى. فإن مضي الاحتلال قدمًا في عدوانه، وغياب أي مواجهة حقيقية وردود فعل مباشرة، سيفتح المجال أمام المزيد من الانتهاكات في قادم الأيام، في ظل الرعاية الرسمية والأمنية لهذه الموجات المتتالية من العدوان.