قائمة الموقع

بين الخيام.. "ألوان الصمود" يحوّل النزوح إلى معرض يروي حكايات غزة

2026-08-02T10:47:00+03:00
معرض فني بعنوان: "ألوان الصُّمود"، بين خيام النازحين بمخيم ملعب اليرموك في مدينة غزة. تصوير| محمود أبو حصيرة
فلسطين أون لاين

غزة/ مريم الشوبكي:

لم تكن اللوحات المعلقة بين الخيام مجرد أعمال فنية، بل بدت كأنها صفحات اقتُلعت من ذاكرة حرب الإبادة. طفل يمد يده نحو قطرة ماء، وأم تحمل أبناءها في عتمة النزوح، وطوابير تمتد أمام "التكية"، ووجوه أنهكها التجويع والخوف، في حين توزعت الألوان بين القاتمة والحادة لتروي ما عاشه الغزيون خلال الحرب.

 علِّقت بعض اللوحات على جدران خيام من الشوادر البلاستيكية، وأخرى على ظهور الخيام وفي الأزقة الضيقة الفاصلة بينها، فتحول مخيم ملعب اليرموك، وسط مدينة غزة، الذي يضم مئات النازحين، إلى معرض فني مفتوح، يتوقف أمامه المارة ليتأملوا حكايات تشبه حياتهم، وقصصاً ما تزال تتكرر خارج إطار اللوحة.

في هذا المكان، حيث تتجاور الخيام وتتشابه تفاصيل النزوح، أقام المركز الثقافي الماليزي بالتعاون مع رابطة الفنانين الفلسطينيين، أمس، معرض "ألوان الصمود"، بمشاركة عدد من الفنانين التشكيليين الذين قدموا أكثر من عشرين لوحة فنية استحضرت مشاهد الحرب والنزوح والمجاعة وطوابير المياه، في محاولة لتوثيق معاناة الفلسطينيين بلغة اللون والريشة.

ويقول عضو مجلس رابطة الفنانين الفلسطينيين، الفنان التشكيلي أحمد السحار، لصحيفة "فلسطين"، إن المعرض استمد اسمه من ألوان الصمود التي عاشها أهالي غزة، موضحاً أن كل لوحة تناولت جانباً مختلفاً من التجربة الإنسانية خلال الحرب، من النزوح وما بعده، وصولاً إلى استمرار الانتهاكات والأوضاع الإنسانية الصعبة رغم إعلان وقف الحرب.

ويضيف أن اختيار إقامة المعرض داخل مخيم للنزوح لم يكن مصادفة، وإنما جاء ليكون الفن قريباً من أصحاب الحكايات أنفسهم، وليشاهد النازحون صوراً تجسد تفاصيل حياتهم اليومية، فيما تصل رسالتها أيضاً إلى العالم.

ويشير السحار إلى أن المعرض يعد الأول الذي تنظمه الرابطة منذ اندلاع الحرب، مؤكداً أن الصورة أصبحت اليوم أكثر قدرة على الوصول إلى الناس من الأخبار المتكررة، وأن الفنانين حاولوا اختصار الطريق إلى ضمير العالم بريشتهم، بعدما لم تفلح المناشدات الطويلة في وقف معاناة أهالي غزة.

فن بالرغم من الندرة

ولم يكن إنجاز اللوحات سهلاً، بحسب السحار، الذي يوضح أن تكلفة اللوحة الواحدة ارتفعت من نحو 70 شيقلاً قبل الحرب إلى أكثر من 350 شيقلاً حالياً، بسبب ندرة الألوان والقماش والفرش الفنية وارتفاع أسعارها.

ويبين أن المعرض حظي بدعم من المركز الثقافي الماليزي، الذي وفر جزءاً من المواد اللازمة، مؤكداً أن الرسالة التي تحملها الأعمال الفنية كانت أكبر من كلفة إنتاجها، وأن الفنانين ما زالوا يحاولون إيصال حقيقة أن الحرب، بالنسبة لسكان غزة، لم تنته بعد، في ظل استمرار المجاعة وتأخر الإعمار وصعوبة الحياة اليومية.

ليلة لم تنتهِ

ومن بين اللوحات المشاركة، وقفت الفنانة صفاء شمالي أمام عملها الذي وثق واحدة من أكثر الليالي رعباً في حياتها.

وتقول لـ"فلسطين" إن اللوحة تستحضر لحظة نزوحها مع عائلتها ليلاً بعد تلقي إنذار، حيث خرجوا مسرعين حاملين القليل من أغراضهم، وقضوا ساعات الفجر داخل مصنع للإسفنج مع عشرات العائلات، قبل أن يتبين لاحقاً أن الإنذار كان كاذباً.

وتضيف أن اللوحة لا توثق حادثة شخصية فحسب، بل تعبر عن الخوف والتيه اللذين لازما كل عملية نزوح، بعدما اكتشفت عائلتها أن المكان الذي لجأت إليه بحثاً عن الأمان لم يكن أكثر أمناً من غيره.

لقمة تنتظر دورها

واختارت الفنانة سماح أبو القرايا أن ترسم مشهد "التكية"، بعدما رأت فيه أكثر المشاهد تعبيراً عن المجاعة التي عاشها سكان غزة.

وتوضح أبو القرايا لـ"فلسطين"  أن العمل مستوحى من واقع عاشه الجميع، حين أصبحت وجبة بسيطة من العدس تحتاج إلى ساعات من الانتظار، مؤكدة أن اللوحة تسعى إلى نقل حق الإنسان البسيط في الطعام، والذي تحول خلال الحرب إلى معركة يومية.

وتشير إلى أن تنفيذ اللوحة استغرق ثلاثة إلى أربعة أيام، في ظل انقطاع الكهرباء وندرة الخامات وارتفاع أسعارها، وهو ما جعل إنجاز كل عمل فني تحدياً بحد ذاته.

ذاكرة الأطفال

أما الفنان علي نصر، فاختار أن يضع الأطفال في قلب لوحاته، إذ رسم طفلاً أنهكته الحرب بين طوابير المياه والجوع، في محاولة لتوثيق ما عاشه أطفال غزة من حرمان وفقدان لأبسط حقوقهم.

ويقول نصر لـ"فلسطين" إن لوحته الثانية تعكس تجربته الشخصية كفنان عاش النزوح، وعانى البحث عن مكان آمن يستطيع أن يرسم فيه، بعدما بعثرت الحرب أفكاره وأيامه كما بعثرت حياة مئات آلاف المواطنين.

وبينما كان الزوار يتنقلون بين اللوحات المعلقة على الخيام، لم يكن المعرض مجرد مساحة لعرض أعمال فنية، بل بدا كأنه ذاكرة مفتوحة لسكان المخيم، يستعيدون فيها ما عاشوه، في حين حاول الفنانون أن يمنحوا تلك الذاكرة شكلاً يبقى شاهداً على مرحلة لا تزال آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية داخل غزة.

اخبار ذات صلة