فلسطين أون لاين

من قرنية طفل راحل إلى عين طفلة تنتظر النور.. زراعة أمل في غزة

...
عدد القرنيات المتبرع بها ارتفع إلى ثماني منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023
خانيونس/ تامر قشطة:

في غرفة العمليات بمجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها تستعد لخوض عملية طال انتظارها، بعد سنوات طويلة من ضعف النظر والمعاناة. وبينما كانت نور ترقد على سرير العمليات، كانت قرنية طفل متوفى تمنحها فرصة جديدة لاستعادة البصر، في واحدة من قصص الأمل النادرة التي تُولد وسط واقع صحي قاسٍ يعيشه قطاع غزة.

أُجريت لنور عملية زراعة قرنية في مجمع ناصر الطبي، أمس، بعد أن تبرعت عائلة طفل متوفى بقرنيتيه الأسبوع الماضي، في خطوة إنسانية ساهمت في إنقاذ مستقبل طفلة كانت تعاني ضعفا شديدا في الرؤية، وفتحت أمامها نافذة جديدة نحو الحياة.

ويقول الدكتور أسامة أبو الوفا، رئيس قسم العيون في مجمع ناصر الطبي ومستشفى غزة الأوروبي، إن العملية أُجريت في ظروف بالغة التعقيد، مشيرًا إلى أنها العملية الثالثة من نوعها خلال العام الجاري، والثامنة التي تُجرى خلال عامي 2025 و2026.

ويضيف أبو الوفا أن الطواقم الطبية تعمل في ظروف استثنائية وبأقل الإمكانات، مع النقص الحاد في المعدات والمستهلكات الطبية اللازمة لجراحات العيون، بما في ذلك الخيوط الجراحية والقطرات والأدوية والمستلزمات الخاصة بالعمليات.

ويقول لصحيفة "فلسطين" إن الطفلة نور كانت حاصلة على تحويلة طبية لإجراء العملية خارج قطاع غزة، لكنها بقيت عالقة في القطاع بسبب القيود المفروضة على حركة المرضى عبر معبر رفح، الأمر الذي حال دون سفرها لتلقي العلاج.

ويشير إلى أن تبرع إحدى العائلات بقرنية طفلها المتوفى ساهم في إجراء العملية داخل غزة، ومنح طفلة في مقتبل العمر فرصة لاستعادة بصرها، مؤكدًا أن توفر القرنيات يمثل تحديًا كبيرًا أمام مرضى العيون الذين يحتاجون إلى هذا النوع من العمليات.

تقول سوسن عامر، والدة الطفلة نور، إن ابنتها تعاني من ضعف النظر في عينها اليسرى منذ أن كانت في عامها الأول، وإن حالتها استمرت طوال السنوات الماضية، قبل أن تتفاقم معاناتها خلال سنوات الحرب والنزوح.

وتوضح عامر لـ"فلسطين" أنها حصلت على تحويلة طبية من أجل إجراء العملية خارج قطاع غزة، إلا أن القيود الإسرائيلية على معبر رفح حالت دون سفر طفلتها، لتبقى نور تنتظر فرصة العلاج داخل القطاع المحاصر.

وتضيف أن سنوات الحرب زادت من صعوبة حياة ابنتها، خاصة خلال فترات النزوح والتنقل، في ظل الظروف القاسية التي يعيشها النازحون، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة.

وتقول الأم إن إجراء العملية داخل غزة، رغم صعوبة الظروف، أعاد إليها الأمل بأن تستعيد ابنتها قدرتها على الرؤية، معربة عن شكرها للعائلة التي قررت التبرع بقرنيتي طفلها بعد وفاته.

ولا تقف قصة نور عند حدود عملية طبية، بل ترتبط بقصة أخرى لطفل فقد حياته، لكنه ترك خلفه فرصة للحياة. فقد تبرعت عائلة الفتى عبد الرحمن الشيخ أحمد، البالغ من العمر 16 عامًا، بقرنيتيه عقب وفاته إثر سقوطه داخل حفرة امتصاصية كان يحفرها لخيمة عائلته شمال خان يونس.

وبعد وفاة عبد الرحمن، قررت عائلته أن تمنح قرنيتيه لمن يحتاج إليهما، ليواصل جزء منه حياته في عيون آخرين، ويمنح مصابين بفقدان البصر فرصة لاستعادة النور.

وتُعد حالة التبرع بقرنيتي عبد الرحمن ثالث حالة من نوعها تُسجل في مجمع ناصر الطبي خلال العام الجاري، فيما ارتفع إجمالي عدد القرنيات المتبرع بها منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى ثماني قرنيات.

وتأتي هذه العمليات في وقت يعاني فيه قطاع غزة من نقص حاد في المستلزمات الطبية، بينما ارتفع عدد إصابات العيون إلى أكثر من عشرة آلاف حالة، وفق المعطيات الطبية، نتيجة القصف والإصابات الناجمة عن الحرب.

في غزة، حيث تتعثر التحويلات الطبية، وتغلق المعابر، وتنقص المستلزمات، تتحول القرنية المتبرع بها إلى أكثر من نسيج طبي. إنها فرصة لطفل أو طفلة لرؤية العالم من جديد، وامتداد لحياة إنسان رحل، لكنه ترك خلفه نورًا في عيون آخرين.

أما نور، فبعد اثني عشر عامًا من الانتظار، تترقب أن تمنحها العملية فرصة جديدة لرؤية تفاصيل الحياة التي حُرمت منها طويلًا، بينما تواصل الطواقم الطبية في غزة العمل وسط الحصار والنقص، متمسكة بما تبقى من إمكانات، وبأمل أن يصل النور إلى مزيد من العيون.

المصدر / فلسطين أون لاين