كلما اقتربت إسرائيل من موعد الانتخابات، اقتربت المنطقة من اختبار أمني جديد. هذه ليست مبالغة سياسية، وإنما قراءة تستند إلى سلوك بنيامين نتنياهو خلال سنوات حكمه، إذ اعتاد أن يحول أزماته الداخلية إلى مواجهات خارجية، وأن يوظف الحروب والأزمات الأمنية لتعزيز حضوره السياسي وإعادة ترتيب المشهد الداخلي الإسرائيلي.
ومع تحديد شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل موعدًا للانتخابات، تبدو المؤشرات السياسية غير مريحة لنتنياهو وائتلافه الحاكم. فاستطلاعات الرأي المتتالية تظهر تراجعًا في شعبيته، وتمنح المعارضة فرصًا متزايدة للعودة إلى السلطة، الأمر الذي يجعل الانتخابات القادمة معركة وجود بالنسبة إليه، وليس مجرد استحقاق ديمقراطي عابر.
في مثل هذه الظروف، يصبح التصعيد العسكري أحد أكثر الخيارات حضورًا في حسابات نتنياهو. فقد أثبتت التجارب أن الرجل يلجأ إلى القوة كلما ضاقت أمامه الخيارات السياسية، ساعيًا إلى استعادة صورة “القائد الأمني” القادر على حماية إسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة بكاملها.
ويبدو قطاع غزة اليوم الساحة الأكثر عرضة لهذا السيناريو. فعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي تتحدث عنها بعض الأطراف بشأن المفاوضات الجارية في القاهرة، فإن الميدان يسير في اتجاه مختلف. فالاحتلال يواصل سياسة القتل اليومية بحق المدنيين، ويستهدف المنازل ومراكز الإيواء، ويوقع عشرات الشهداء والجرحى بشكل متواصل، في محاولة لفرض مزيد من الضغط قبل الوصول إلى أي اتفاق.
وفي الوقت نفسه، يواصل الاحتلال توسيع ما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”، التي باتت تمتد إلى ما يقارب 70% من مساحة قطاع غزة، بما يعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وخلق واقع أمني جديد يمنح إسرائيل أوراق قوة في أي ترتيبات مستقبلية. ولم تعد هذه المنطقة مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل أصبحت جزءًا من مشروع يهدف إلى فرض وقائع دائمة على الأرض.
ولا تقف حسابات نتنياهو عند حدود غزة، فإيران لا تزال حاضرة في معادلاته السياسية، كما يبقى لبنان ساحة قابلة للاشتعال في أي لحظة*. وإذا شعر بأن فرصه الانتخابية تتراجع بصورة أكبر، فلن يكون مستبعدًا أن يسعى إلى توسيع دائرة المواجهة، اعتقادًا منه بأن الحرب قادرة على توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف حكومته، وتأجيل أزماته السياسية والقضائية.
غير أن هذه المقاربة أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى. فالمنطقة تعيش حالة من الاحتقان غير المسبوق، والساحات الفلسطينية واللبنانية والإيرانية مترابطة بصورة تجعل أي تصعيد محدود قابلًا للتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة، يصعب التحكم بمساراتها أو توقع نتائجها.
إن *ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن الحسابات الانتخابية داخل إسرائيل، كما لا يمكن قراءة التصعيد العسكري بمعزل عن مستقبل نتنياهو السياسي*. ولذلك، فإن استمرار المجازر في غزة، وتوسيع المناطق العازلة، والتلويح بجبهات جديدة، ليست مجرد تطورات ميدانية منفصلة، بل حلقات في إستراتيجية يسعى من خلالها نتنياهو إلى صناعة إنجاز سياسي عبر القوة العسكرية.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح نتنياهو في تحويل الحرب إلى جسر يعبر به نحو ولاية جديدة، أم أن المنطقة ستفرض معادلة مختلفة تُسقط رهانه على الدم والحرب؟ الأشهر المقبلة وحدها ستجيب، لكنها تبدو مرشحة لأن تكون من أكثر المراحل حساسية وخطورة، ليس على إسرائيل وحدها، بل على الشرق الأوسط بأسره.