في محطة تتعاظم فيها التحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية، جاء الإعلان اليوم عن انتخاب القيادي د. خليل الحية رئيسا جديدا للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، بينما تنتظره ملفات كبرى في ظل حرب الإبادة ومساعي الاحتلال لحسم مصير القدس والضفة الغربية.
ويرى محللون سياسيون من غزة ورام الله والقاهرة أن أولويات القائد الجديد للحركة، تتمثل في مواجهة الاحتلال والعدوان وتعزيز العلاقات الوطنية ومحاولة التوازن في العلاقات في الإطار العربي والإسلامي، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى تحديات في ظل التصعيد الاحتلالي.
وفي بيان أصدرته، قالت حماس إن "عينَها ويدَها وقلبَها منشغلةٌ بأولويّتها المركزيّة في هذه المرحلة، وهي وقف العدوان المتواصل على شعبنا الفلسطيني، وحماية حقوقه غير القابلة للتصرّف، والعمل على رفع المعاناة عن أهلنا في قطاع غزّة، وفي مقدّمة ذلك رفعُ الحصار، والسماحُ بدخول المساعدات الإنسانيّة والطبيّة، والشروعُ في مسار الإعمار العادل، ورفضُ كلّ مخطّطات التهجير مهما كانت الأسماء والذرائع، إلى جانب الوقوف مع أهلنا في القدس والضفة الغربية وخارج فلسطين، ومع أسرانا في سجون الاحتلال، في مواجهة ما يتعرّضون له من انتهاكاتٍ يوميّة".
تحدي استمرار الحرب
يقول المحلل السياسي وسام عفيفة، إن ظروف إجراء انتخابات المكتب السياسي لحماس تاريخية، قائلا: إن الحركة لم تمر في مثل هذه الظروف التي تواجه فيها أولا نتائج حرب الإبادة على غزة التي امتدت لنحو ثلاثة سنوات، وكان الأخطر في هذا الأمر عمليا غياب القيادة السياسية والعسكرية في مرحلة الحرب.
ويضيف عفيفة لصحيفة "فلسطين": هذا بالتأكيد أدى لحالة خلخلة وفراغ كبير في المستوى السياسي للحركة، والمطلوب الآن من القائد الجديد أن يعمل على إعادة ترميم وبناء الحركة في ظل المعطيات الجديدة غير المسبوقة وفي ظل استمرار الحرب وهو التحدي الكبير، لأن امتداداته ستؤثر على مسارات أخرى من ضمنها المواجهة مع الاحتلال والعلاقات الوطنية.
ويوضح أنه سيكون مطلوبا من القائد الجديد جعل الحركة في موضع يمكنها من أن تكون لديها المرونة والجرأة والقدرة على تعزيز حضورها في هذه المسارات.
ويرى عفيفة أن الأولوية هي لمواجهة الاحتلال في ظل التصعيد الجديد الحاصل والذي يستهدف عمليا ضمن استهدافاته قيادة الحركة السياسية والعسكرية.
ويشير إلى أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ إن المسار التفاوضي يستهدف جزء كبير منه ومن شروطه حتى الآن محاولة تقويض حماس كحركة مقاومة من خلال التركيز على نزع سلاحها وتقويض بنيتها العسكرية ودفعها لهامش المشهد الفلسطيني، ما يمثل تحديا كبيرا في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تداعيات حرب الإبادة المستمرة.
ويوضح عفيفة أن ذلك له تشابكات عديدة، ما يعني أيضا أولوية القدرة على فتح مسار في العلاقات الوطنية باعتبار أن التهديد كبير للكل الفلسطيني والحركة الوطنية، وقدرة القائد الجديد على أن يحول هذا التحدي إلى فرصة، مبينا أنه أمام التوغل والتهديد الإسرائيلي يصبح المسار الوطني إلزاميا ليستطيع الجميع مواجهة هذا التحدي الوجودي للكل الفلسطيني.
ويفرض ذلك -بحسب عفيفة- إدارة الحركة علاقاتها العربية والإسلامية المرتبطة بشكل وثيق بالمشهد الفلسطيني والوطني والتصدي للاحتلال، لاسيما أن الحركة موجودة في ساحات عدة ضمن حلقة تفاوض تديره أطراف عدة ووسطاء ما يتطلب أن توجد توازنات للعلاقة بحيث تستثمرها ولا تتحول فقط لعلاقة ضاغطة على الحركة.
ويشير عفيفة إلى أن آثار الدعم والإسناد والتعبئة الشعبية في العالم العربي والإسلامي كبيرة نتيجة للحرب، وكل ذلك يمثل معطيات تفرض على القائد الجديد مسؤولية تاريخية وغاية في التعقيد.
وفيما يتعلق بما تعرف بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، يقول عفيفة إنها تمثل تحديا كبيرا فيما يتعلق بالعلاقات الوطنية لأن الجميع يواجه هذا الاستحقاق الذي فرض على الشعب في إطار الحرب، وقبلت به الفصائل والمقاومة على مضض باعتباره الخيار الأقل مرارة في ظل الحرب.
ويسلط ذلك الضوء على قدرة حماس على إدارة هذا الملف، مبينا أن خطة ترامب في الأساس تستهدف المقاومة، وما يسمى مجلس السلام جاء ليقول إن على الحركة أن تترك المشهد الإداري والحكم وقد وافقت الحركة، لكن الأمر لا يقف هنا، وفق عفيفة.
ويفسر بأن خطة ترامب تطالب بتفكيك الحركة كجبهة مقاومة وهنا تظهر قدرة حماس على الموازنة بين مصلحة الشعب الفلسطيني في ألا تعود حرب الإبادة وأن تحقن الدماء الفلسطينية وتحافظ على ما تبقى من المقدرات الوطنية ومقدرات المقاومة وبين عدم التنازل في البعد المركزي المتمثل بكونها حركة مقاومة وهو ما يعني الحفاظ على مقدراتها العسكرية وهذا تحد ومعادلة صعبة سيتولاها القائد الجديد.
المستقبل السياسي
ويؤيد أستاذ العلوم السياسية د.جهاد حرب رؤية عفيفة، قائلا لصحيفة "فلسطين"، إن أولويات رئيس حماس تتمثل في مجموعة من المسائل الوطنية منها الترتيبات الخاصة بوقف الحرب، وإنهاء معاناة المواطنين في قطاع غزة.
ويضيف حرب، أن من الأولويات تعزيز الوحدة الوطنية أو الذهاب لحوار وطني مع الشركاء الفلسطينيين للمساعدة على إنتاج وحدة وطنية فلسطينية للنظر للمستقبل السياسي خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بشكل رئيس في قطاع غزة.
ويوضح أن من الأولويات أيضا ما يتعلق بالجانب الداخلي للحركة وإعادة الترتيبات القائمة في المناطق المختلفة لإعادة تصليب الجبهة التنظيمية ليكون لدى مؤسساتها القدرة على العمل على الرغم من الصعوبات البالغة في الضفة والقطاع.
وفي ملف العلاقات بين حماس والعالم العربي، يتوقع حرب أن يكون هناك انفتاح أكبر على العالم العربي في ظل متطلبات العملية السياسية، وكذلك استعادة مكانة الحركة في النظام العربي في ظل ظروف صعبة جدا على قطاع غزة.
أما عن التحديات، يرى حرب أنها كبيرة وفي مقدمتها الموقف والضغط الأمريكي على العالم العربي لاتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه الحركة في بعض الدول في ظل الحرب على غزة والحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
ويرى أن التحدي الآخر يتمثل في كيفية تقديم صورة جديدة لحركة حماس أمام النظام العربي الرسمي حتى تتمكن من استمرار قدرتها على الحركة داخل العالم العربي، ناهيك عن تحد في قطاع غزة فيما يتعلق باستمرار عمليات الاغتيال من قبل الاحتلال الإسرائيلي والملاحقة لقيادتها وعناصرها وإدارتها في القطاع.
تفكير خارج المألوف
في السياق، يشير السياسي المصري عمرو عبد الهادي إلى أن "دولا عربية اعترفت بـ(إسرائيل)، وتحارب لاستمرارها"، قائلا: "أصبح الحديث عن زوال الكيان جريمة تعاقب عليها الحركة وغيرها".
ويرى عمرو في حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن استعادة العلاقات مع الأنظمة العربية يمثل "معجزة" حاليا، مبررا ذلك بأن "حالة الحصار الإقليمي والدولي غير مسبوقة فتتطلب تفكيرا خارج المألوف حتى تستعيد الحركة رونقها وقوتها وتصبح أقوى من قبل"، لكنه يؤكد أن الحركة ستكون قادرة على ذلك مستقبلا.
ويقول عمرو، إن القيادي الحية "مرّ بجميع مراحل عمره بتغيرات سياسية وإقليمية تجعله الأقدر على قراءة الموقف، الذي لا يغيب عن القاصي والداني، حيث يتربص الإقليم لتفتيت الحركة وإنهائها ونزع سلاحها".
ويضيف: "لا أتوقع تغيرًا في مواجهته (القيادي الحية) مع الاحتلال بعد تعافي الحركة من حرب العامين الماضيين وخسارة صفوة قياداتها"، لكنه يتوقع أن تعمل الحركة على تهدئة متناسبة مع توجهاتها خلال ما تبقى من ولاية ترامب الرئاسية، لتمر تلك المرحلة الصعبة ويعوض ما فقد قياديا ولوجستيا، مبينا أن إدارة ترامب منصاعة تمامًا لرغبات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في تدمير المنطقة العربية وفرض سيطرة (إسرائيل) عليها.
ويعتقد عمرو، أن يستند القائد الجديد لحماس إلى الثوابت التي أقرتها الحركة في وثيقتها السياسية، والتي تتضمن الرؤية الوطنية بشأن دولة فلسطينية على ما تعرف بحدود 1967، دون الاعتراف بـ(إسرائيل).
في المقابل، يقول عفيفة، إن الوثيقة حاضرة لكن المشهد الحالي والضغوط والمعطيات الراهنة على الأقل تتجاوز الوثيقة لناحية استدراك الحالة التي تستهدف الآن وجود الشعب الفلسطيني كجبهة مقاومة ومحاولة تحويله إلى شعب يدار إغاثيا واقتصاديا في ظل إدارة ضمن المنظومة الدولية، بدلا من كونها قضية مقاومة وتحرير وعودة.
ويتمم عفيفة: الوثيقة موجودة كأرضية مساعدة، لكن الإدارة الأمريكية والاحتلال لا يعترفان أصلا بمفاوضات ولا بدولة وهذا لا يتعلق بحماس وحدها بل بالكل الفلسطيني الذي يواجه عدوا لا يعترف بالشعب الفلسطيني ككيان سياسي.