كثيرةٌ هي أوجه التعاون بين الدول، بعضها له جذور ضاربة في التاريخ، وبعضها مستحدث، ومما هو مُستحدث الأحياء الجامعية، فما فكرتها؟ وما علاقتها بالعلاقات الدولية؟
الأحياءُ الجامعية، أماكن تخصصها كل دولةٍ لاستقبال طلبة الدول الأخرى، وإسكانهم فيها لتوفرها على مقومات الحياة الطلابية، فيما يُعرف بالتبادل الثقافي، حيث توفر كل دولة عددًا من المنح لطلبة من دول أخرى.
وفي الأحياء الجامعية يلتقي طلبة من مختلف الجنسيات واللغات، فيتعارفون على بعضهم، ويتعلمون من بعضهم العادات والتقاليد، إضافة إلى تحصيلهم العلمي، وأحيانًا يتشاكسون.
وشخصيًا، كنتُ أحد أعضاء البعثة الطلابية الفلسطينية للمملكة المغربية عام 1998، وسكنتُ في الحي الجامعي بالرباط، وهناك تعرفتُ على طلبة من مختلف الجنسيات العربية وغير العربية، وتعلمنا كثيرًا من بعضنا كثيرًا من الطقوس والعادات.
قد يسأل سائل: وكيف يكون السفير بلا سفارة؟ الإجابة ستكون عبارة عن قصة حقيقية كنتُ أحد شهودها، ففي ذات يوم من العام الدراسي الثاني، على حسب ذاكرتي، نشب خلاف بين طالب فلسطيني وطالب إفريقي غير عربي، خاصة أننا لم نكن نفهم لغة الطالب الإفريقي، وأوصلتنا الحمية إلى مشكلةٍ وصل صداها إلى الملحق الثقافي في سفارتنا بالرباط، العم "علي عامر حمودة" أبو يوسف، فاجتمع بنا، وكان مما قاله لنا كلمات لا زالت راسخة في ذهني حتى الآن، رغم مرور ربع قرن عليها: يا شبابنا، إن هؤلاء الطلبة الذين تتشاكلون معهم، صحيح إنهم الآن طلبة، لكنهم بعد سنوات يصبحون شخصيات مؤثرة ووازنة في بلادهم، فلا داعي للتعارك، بل يجب التعارف ونسج أواصر المعرفة حتى يكونوا مدافعين عن قضيتنا في بلادهم.
هذه الفقرة أثرت جدًا في طريقة تعاملي مع الآخرين الأجانب، وازداد حرصي، وكنت من الحريصين قبل تلك المشكلة على عدم افتعال المشاكل، عملًا بوصية الملحق الثقافي.
في الأحياء الجامعية يلتقي طلبة من مختلف الجنسيات، يدرسون مختلف التخصصات، وينسجون شبكات علاقات يمكن أن تؤثر في صناعة القوة الناعمة، وتمارس الدبلوماسية غير الرسمية، فأغلب الطلبة بعد تخرجهم سيعودون لبلادهم حاملين انطباعات عن الشعوب التي تعاملوا مع بعض أبنائها في رحلتهم العلمية، وعن الشعب الذي استضافهم في رحلته العلمية.
إن الأحياء الجامعية ليست فقط لسكن الطلبة، بل فيها قاعات لتنظيم احتفالات بالأيام الوطنية لأي دولةٍ يرغب طلابها بتنظيمها؛ لتعريف زملائهم الطلبة بما لديهم من تراثٍ وطقوسٍ وعادات.
فيا طلبة أي دولة في أي دولة، استثمروا الأحياء الجامعية في نشر قضية بلادكم، واتركوا انطباعات جيدة عن بلادكم عند زملائكم الطلبة، فأنتم سفراء غير رسميين لبلادكم، وكما قال الله عز وجل: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت"، فعلينا أن نحترم الطلبة ونعطيهم انطباعًا رائعًا عن قضيتنا، فلا تدري ماذا سيكون مستقبلهم وأي المواقع يتقلدون، واعلموا أن تجربة الطلاب يمكن أن تؤثر في الصورة الذهنية والانطباعات المتبادلة بين الشعوب، وفي القوة الناعمة والعلاقات الشعبية، وقد تنعكس بصورة غير مباشرة على العلاقات الرسمية، فلو تقلد أحد الطلبة منصبًا في حكومته، فإن الانطباعات التي كوّنها عن الدول من خلال الطلبة أيام الفترة الجامعية سيكون لها دور في طبيعة التعامل مع دولهم.
وشخصيًا، وبفضل الله عز وجل، لا زلتُ على تواصل مع بعض أصدقاء الدراسة من المغاربة والعرب، والذي منهم الصحفي والطبيب والمهندس والمعلم، وكلهم يسألون باستمرار، ويكتبون وينشرون عبر صفحاتهم الاجتماعية، فالكلمة الطيبة تخلق علاقة قوية.